سارا القرني
«وما الحب إلا للحبيب الأول»، عبارة شائعة ترددت حتى بدت وكأنها قاعدة ثابتة، مع أن الحب تجربة إنسانية لا تقبل التعميم. قد يكون الحب الأول عند بعض الناس هو الأعمق، لكنه عند آخرين مجرد تجربة جاءت في مرحلة مبكرة من العمر، ظنوا فيها أن شدة التعلق تعني بالضرورة أنهم وجدوا الحب الذي لن يتكرر. فنحن في بداياتنا لا نعرف دائمًا الفرق بين الحب والتعلق، ولا بين الاحتياج والاختيار. وقد نمنح شخصًا لقب «الحب الأول» فقط لأنه كان أول من حرّك مشاعرنا، ثم تضع الأقدار في طريقنا لاحقًا شخصًا يجعلنا نعيد تعريف الحب كله. فالحب الأول والأخير قد لا يكون أول من دخل القلب، بل أول من جعله يشعر بالأمان. ذاك الذي ترى معه عيوب ما ظننته حبًا في الماضي، وتكتشف أن الحب لا يفترض أن يكون قلقًا دائمًا، ولا انتظارًا، ولا تنازلًا مستمرًا عن الكرامة. هناك حب يشبه الضجيج، وحب آخر يشبه العودة إلى البيت.
حين يأتي الشخص الصحيح، تدرك أن ما يجمعكما أكبر من مكان أو رابطة أو مسمى. هناك ألفة يصعب تفسيرها، وراحة لا تحتاج إلى أسباب كثيرة. شخص يفهم صمتك، ويرى عيوبك دون أن يحولها إلى سلاح، ويمنحك شعورًا بأنك لست مضطرًا إلى إثبات مكانتك كل يوم.
وقبل أن تغمض عينيك قد تعتقد للحظة أن هذا الهدوء مجرد حلم جميل، ثم تبتسم لأنك تعرف أنه حقيقة؛ حقيقة مختلفة عن ذلك القلق الذي اعتقدت يومًا أنه حب.
وإذا قيل إن الحب للحبيب الأول، فمن حقنا أن نسأل: لماذا انتهت إذن قصص حب أولى كثيرة؟ الانفصال لا يعني أن كل شعور سابق كان كاذبًا، لكنه يثبت أن الأسبقية وحدها لا تمنح العلاقة صفة الخلود. أحيانًا تكون التجربة صادقة في وقتها، لكنها لا تصلح لترافقنا إلى آخر الطريق.
المشكلة أن بعض الناس يحولون تجربة انتهت إلى سجن طويل، فينتظرون الماضي وكأنه سيعود بصورة أجمل، ويضيعون أعمارهم في محاولة تحويل الوهم إلى حقيقة. أما الأكثر وعيًا، فينهضون، وينفضون عن القلب غبار التجربة، ويعيدون بناء أنفسهم، ثم يمضون دون أن يجعلوا سعادتهم معلقة بعودة أحد.
وقد يحدث، بينما أنت منشغل ببناء نفسك وحياتك، أن تصادف الحب الذي يستحق فعلًا أن يسمى الأول والأخير. عندها تفهم أن «الأول» ليس دائمًا ترتيبًا زمنيًا؛ فقد يكون الأول في الأمان، والأول في النضج، والأول الذي لم يجعلك تخسر نفسك كي تحتفظ به. لذلك ربما الأجمل أن نتوقف عن سؤال الناس: من كان حبك الأول؟ وأن نسأل بدلًا منه: من جعلك تعرف معنى الحب؟ فبين السؤالين عمر كامل من الوعي. الأول يبحث عن التاريخ، والثاني يبحث عن الحقيقة.
فلا تجعل تجربة عابرة حكمًا مؤبدًا على قلبك، ولا تمنح الماضي حق مصادرة المستقبل. بعض القصص تنتهي لأنها أدت دورها: علمتنا ما لا نريد، حتى نعرف قيمة ما نريد حين يأتي. وحين يأتي الحب الذي يشبه روحك، لن تحتاج إلى إقناع نفسك بأنه الحب الأول أو الأخير؛ سيكفيك أنك للمرة الأولى لا تشعر أنك تبحث عن الحب.. لأنك تعيش داخله.