باسم سلامة القليطي
لن أتحدث عن التصوير بوصفه حريةً شخصية، ولا عن توثيق اللحظات واللقاءات وإضافة الصور إلى ألبوم الذكريات؛ فهذا أمرٌ نمارسه جميعاً بدرجات متفاوتة، يقع معظمها تحت سقف المعقول ذوقاً والمسموح عقلاً. لكن ما رأيته اليوم في أحد المقاهي كان شيئاً آخر. لمحت خارج المقهى شابتين من جنسية عربية وهما تصوران المكان، حتى ظننتهما موظفتَي بلدية في مهمة تفتيش مفاجئة! وما إن دخلتا حتى اكتشفت أن القضية لا علاقة لها بالبلدية؛ إحداهما تحمل جوالها، والأخرى كاميرا أكشن، حركة وتصوير وتغيير زوايا، وكأننا لسنا في مقهى، بل في لوكيشن مسلسل ينتظر المخرج أن يقول: «أكشن». وربما كانتا، والله أعلم، في بداية الطريق إلى عالم الإعلانات، وتحاولان الوصول سريعاً قبل أن يسبقهما أحد.
هناك نوع من الناس إذا دخل مقهى، لا يبحث عن طاولة شاغرة، بل عن زاوية جيدة للتصوير. لم تعد بعض الأماكن تُرى كما هي، وإنما كما ستبدو في الكاميرا؛ وكأن المكان لا يكتمل إلا إذا دخل الكادر، واللحظة لا تصبح جديرة بالعيش إلا إذا أصبحت صالحة للنشر.
المشكلة ليست في التصوير، وإنما في اللحظة التي ينسى فيها الإنسان أن المكان ليس ملكاً له وحده. فالمقهى مساحة مشتركة؛ جاء بعض الناس إليه للقهوة، وبعضهم للحديث، وآخرون للقراءة أو الاسترخاء. ولم يأت أحد منهم ليكون ممثلاً إضافياً في فيديو شخص آخر. من حقك أن تصور نفسك، لكن ليس من حقك أن تجعل وجوه الآخرين خلفية لمحتواك، أو أن تضعهم في مقطع قد ينتشر دون علمهم أو رغبتهم. فحريتك في التصوير لا تمنحك تلقائياً حق استخدام حضور الآخرين في صورتك. نحن نشاركك المكان، لكننا لا نشاركك بالضرورة مشروعك الإعلامي.
والأغرب أن الأمر لم يكن مجرد صورة عابرة؛ فقد بدا المشهد كله كأنه جلسة تصوير مصغّرة داخل المقهى. الشابتان تتنقلان بين الزوايا وتبحثان عن اللقطة المناسبة، تارةً بالجوال وتارةً بكاميرا الأكشن، بينما المكان من حولهما يتحول تدريجياً إلى مساحة تصوير مفتوحة. لم تعد القهوة هي الغاية من الجلسة، بل أصبحت جزءاً من مشهد ينبغي أن يبدو جيداً أمام الكاميرا. وهنا تكمن المفارقة: المكان الذي جئنا إليه لنرتاح، تحول بسبب الإفراط في التصوير إلى مكان لم نعد نشعر فيه بالراحة؛ حتى وجدنا أنفسنا نغادر قبل أن نكمل ما طلبناه.
وربما أسهمت المنصات في صناعة هذا السلوك حين جعلت الصورة جزءاً من صورة الإنسان عن نفسه. يكفي أن ترى حياة الآخرين مرتبة ومضيئة ومصوَّرة بعناية حتى تشعر أنك مطالب بأن تفعل الشيء نفسه. فيبدأ البعض بمحاكاة المؤثرين في ملابسهم، وطريقة جلوسهم، وزوايا تصويرهم، وحتى الأماكن التي يرتادونها. وقد يقضي الإنسان وقتاً طويلاً في صناعة صورة توحي بأنه يعيش حياةً رائعة، بينما هو في الحقيقة منشغل طوال الوقت بكيف ستبدو هذه الحياة للآخرين. وهنا تصبح الصورة عبئاً بدل أن تكون ذكرى، ويصبح المكان مسرحاً لصناعة الانطباع بدلاً من أن يكون مساحةً للعيش.
لقد كانت الصورة في زمن مضى تحفظ لنا ما نخشى أن ننساه: وجهاً غاب، وبيتاً تغيّر، ورحلةً انتهت، وأشخاصاً لم نعد نلتقيهم. أما اليوم، فقد أصبح كثير من الصور يعيش عمره الافتراضي ساعات قليلة، ثم يختفي وسط سيل جديد من الصور. وربما نحتاج إلى استعادة شيء بسيط فقدناه وسط هذا كله: أن نعيش بعض اللحظات دون أن نثبت أننا عشناها. فليس كل مكان لوكيشن، وليس كل لحظة محتوى، وليس كل ما هو جميل يحتاج إلى كاميرا. والأهم: أن وجوه الآخرين ليست خلفيةً لحياتك الرقمية؛ لكل وجهٍ صاحبه، ولكل صاحبٍ حقه في أن يختار أين يظهر وكيف يظهر؟