ثامر الشهراني
يخطئ من يعتقد أن الدبلوماسية الوقائية تعكس ضعفًا، أو أن تغليب الحوار على المواجهة يعني التردد في حماية الأمن الوطني. فالدول الواثقة من قدراتها تجعل الدبلوماسية خيارها الأول، لأنها تدرك أن كلفة السلام أقل من كلفة الحروب، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الصبر الاستراتيجي لا يمكن أن يبقى مفتوحًا إلى ما لا نهاية إذا استمرت مصادر التهديد في تقويض الأمن والاستقرار.
وجاء الرد السعودي الأخير تأكيدًا لما أعلنته المملكة من أن الاعتداءات لن تمر دون رد، إذ نفذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، ضربات محددة ضد مواقع للميليشيات الموالية لإيران في العراق، استنادًا إلى حق الدفاع عن النفس وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. كما تعاملت قبل ذلك بأيام مع التهديدات القادمة من الحوثيين في اليمن، في إطار سياسة تستهدف تحييد مصادر الخطر، لا توسيع دائرة الصراع. ولم يكن الهدف العراق أو اليمن، وإنما الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة التي اتخذت من أراضيهما منطلقًا لتهديد أمن المملكة واستقرار المنطقة.
لقد أظهرت المملكة خلال هذه الأزمة أنها كانت آخر من يرغب في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، حيث سخّرت ثقلها السياسي وعلاقاتها الدولية لخفض التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة. إلا أن بيان وزارة الخارجية السعودية كان واضحًا عندما أكد أن تلك الاعتداءات جاءت في وقت كانت فيه المملكة تبذل جهودًا للمساهمة في إنهاء التصعيد، بينما اختارت الميليشيات الموالية لإيران انتهاج مسارًا عدوانيًا، في انتهاك للقانون الدولي، وتجاهل لمبادئ حسن الجوار، رغم ما تقتضيه الأخوة الإسلامية من احترام سيادة الدول وعدم الاعتداء عليها.
ومن هنا، فإن قراءة الرد السعودي بوصفه تصعيدًا عسكريًا تفتقد إلى السياق الكامل للأحداث. فالرد لم يكن بداية الأزمة، بل جاء بعد اعتداءات متكررة، وبعد استنفاد وسائل الاحتواء السياسي والدبلوماسي، وفي إطار حق أصيل للدول في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لاعتداءات مسلحة تهدد أمنها وسيادتها.
إن تحييد مصادر العدوان الكامنة في الميليشيات المسلحة لا يعني توسيع دائرة الصراع أو استهداف الدول التي تنشط تلك الجماعات على أراضيها، بل يهدف إلى حماية الأمن الوطني وصون الاستقرار الإقليمي، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، بحيث يبقى السلاح حكرًا على المؤسسات الشرعية. وقد أثبتت المملكة منذ بداية الأزمة أنها لم تكن راغبة في التصعيد، بل جعلت من الدبلوماسية والاحتواء خيارها الأول، وسعت بكل ثقلها السياسي إلى تجنيب المنطقة مواجهة مفتوحة. غير أن استمرار الميليشيات في نهجها العدواني واعتداءاتها المتكررة يفرض معادلات مختلفة، ويمنح المملكة الحق الكامل في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لردعها. ولذلك، فإن السعودية ستظل بالمرصاد لكل من يحاول المساس بأمنها وسيادتها أو تهديد استقرار المنطقة، وفق ما يقتضيه النظام الدولي وحق الدول المشروع في الدفاع عن نفسها.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما واجه الشرق الأوسط خلال العقود الماضية لم يكن الخلاف بين الدول، بل تمدد الحروب بالوكالة، وتحول الميليشيات إلى أدوات لفرض معادلات سياسية وأمنية خارج إطار الشرعية. كما أثبتت أن التساهل مع هذه الجماعات لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يمنحها مزيدًا من الجرأة على استهداف الدول والممرات البحرية ومنشآت الطاقة، بما ينعكس على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي بأسره.
وعليه، فإن ما قامت به المملكة لا يمثل تحولًا من الدبلوماسية إلى التصعيد، بل يجسد معادلة سعودية ثابتة تقوم على أن السلام هو الخيار الأول، وأن الردع لا يُلجأ إليه إلا عندما تستنفد الدبلوماسية كل فرصها، وتصر الميليشيات المسلحة على مواصلة اعتداءاتها. فالرد لم يكن موجهًا ضد العراق أو اليمن، وإنما ضد الجماعات الإرهابية التي اتخذت من أراضيهما منطلقًا للاعتداء على المملكة وتهديد أمن المنطقة. وبذلك، أكدت السعودية أنها دولة تحترم القانون الدولي، وتلتزم بمبادئ حسن الجوار، لكنها في الوقت ذاته لا تتهاون في الدفاع عن سيادتها وحماية مواطنيها وصون استقرار الإقليم، وفق ما يقتضيه النظام الدولي وحق الدول المشروع في الدفاع عن نفسها.