عبد العزيز بن صالح الفريدي
ما يُبنى اليوم يصبح بعد سنوات حركة اقتصادية، وفرص عمل، واستثمارات جديدة، وأنماطاً مختلفة للحياة والإنتاج، لذا يمكن قراءة مؤشرات تقرير «نظرة على قطاع المقاولات - يوليو 2026» عبر منصة SCAVO. فالأرقام التي يرصدها التقرير لا تقدم فقط صورة عن المشاريع التي تمت ترسيتها خلال شهر يوليو، وإنما تكشف عن جانب من اقتصاد سعودي يتحرك على الأرض بوتيرة متسارعة، ويحوّل مستهدفات الرؤية من برامج مكتوبة إلى واقع قابل للقياس، تتوزع المشاريع على سبعة قطاعات فرعية، فيما سجل قطاعا الطرق والجسور ومباني المحطات أعلى عدد من المشاريع، بينما تصدر قطاع الفنادق من حيث القيمة الاستثمارية بأكثر من ثلاثة مليارات ريال. وهذه الخريطة وحدها تحمل دلالات تتجاوز القطاع نفسه. فالطرق والجسور تعني اقتصاداً أكثر اتصالاً، ومحطات النقل تعني حركة أكثر كفاءة، والفنادق تعني استعداداً لمستقبل تتزايد فيه حركة السياحة والأعمال والفعاليات.
إن التحول الاقتصادي الحقيقي لا تصنعه القرارات في حد ذاتها، بل تصنعه القدرة على ترجمتها إلى مشروعات متكاملة. وهذا ما يفسر تنوع المشروعات التي تمت ترسيتها، من تطوير الدرعية إلى توسعة مطار حائل ومنشآت مدينة القدية، إلى جانب المشاريع السكنية والبنية التحتية. إنها مسارات مختلفة، لكنها تصب في اتجاه واحد: بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، ومدن أكثر قدرة على المنافسة، وحياة أكثر جودة.
تكشف قائمة الجهات المالكة للمشاريع عن جانب آخر من التحول. فتقدم الهيئة الملكية لمدينة الرياض من حيث القيمة المالية للمشاريع التي تمت ترسيتها، بإجمالي تجاوز 2.7 مليار ريال عبر ثلاثة مشاريع، ثم حضور جهات مثل شركة كلاستر 2 وهيئة تطوير بوابة الدرعية بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة، يؤكد أن المؤسسات التنموية الكبرى لم تعد مجرد جهات تنفذ خططاً منفصلة، بل أصبحت محركات لإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والاستثمارية ولا يمكن النظر إلى قطاع المقاولات باعتباره قطاعاً تابعاً لدورة الإنفاق فحسب. إنه اليوم أحد القطاعات التي تتقاطع عندها الصناعة والخدمات والتمويل والعقار والسياحة والنقل والتقنية. خلف كل مشروع تمت ترسيته سلسلة اقتصادية طويلة تضم مكاتب هندسية ومقاولين ومصنعين وموردين وشركات نقل وخدمات، فضلاً عن فرص العمل وما يرتبط بها من تطوير للمهارات والخبرات الوطنية.
أما التوقعات بترسية 11 مشروعاً خلال شهر أغسطس الجاري، مع استحواذ قطاعي البناء والتشييد والبنية التحتية على أكثر من 70 في المئة منها، فتؤكد أن حركة المشروعات لا تمثل حالة استثنائية أو موسمية. كما أن تركز نحو نصف المشروعات المتوقعة في المنطقة الشرقية ومنطقة مكة المكرمة يشير إلى اتساع الخريطة التنموية وتعدد مراكز النشاط الاقتصادي في المملكة.
يزداد هذا المعنى وضوحاً مع حضور جهات كبرى مثل الشركة الوطنية للإسكان، وأرامكو السعودية، والهيئة السعودية للمياه، إلى جانب المطورين العقاريين. فتنوع الجهات المحركة للمشروعات يعني تنوع مصادر النمو، ويعكس انتقال الاقتصاد السعودي تدريجياً من الاعتماد على قطاع واحد إلى منظومة أكثر تشابكاً وتوازناً.
لذلك، فإن أهم ما تقوله مؤشرات يوليو ربما لا يظهر في أرقام المشاريع وحدها. فالمملكة لا تبني منشآت من أجل الحاضر فقط، بل تستثمر في القدرة على النمو مستقبلاً. إنها تبني الطرق التي ستصل الأسواق ببعضها، والمطارات التي ستفتح المدن على العالم، والوجهات التي ستخلق أنشطة اقتصادية جديدة، والمجتمعات التي ستحتضن أنماطاً مختلفة من العمل والحياة، لقد أصبح قطاع المقاولات أكثر من مجرد صناعة للبناء. إنه القطاع الذي يمنح الاقتصاد شكله الملموس، ويحوّل الطموح إلى أصول، والرؤية إلى واقع، والمستقبل من فكرة إلى شيء يمكن رؤيته على الأرض.