زياد الجارد
تخيل أن تمر أمام بيتك يومياً 30 % من شاحنات العالم المحملة بالبضائع، ثم تواصل طريقها دون أن تترك إلا قدراً محدوداً من قيمتها.
هذا، باختصار، هو التحدي الذي يمثله البحر الأحمر، الشريان الذي يربط التجارة بين الشرق والغرب، وقارات آسيا وإفريقيا وأوروبا. الممر الذي تعبره نسبة ضخمة من التجارة العالمية، وتكمن الفرصة الحقيقية في تحويل هذا العبور إلى صناعة، وخدمات، واستثمارات، تعظم الأثر الاقتصادي.
غير أن مرور الحاوية وحده لا يكفي. فقد يُنظر إلى نجاح الموانئ من خلال عدد السفن التي تستقبلها أو الحاويات التي تناولها، وهو بلا شك مؤشر مهم. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس حجم الأثر الاقتصادي الذي يحققه الميناء. فالحاوية التي تواصل رحلتها كما وصلت تختلف عن حاوية دخلت لتُصنع، أو يُعاد تعبئتها، أو يُعاد توزيعها إلى أسواق أخرى؛ فالقيمة المضافة تُصنع أثناء العبور، لا بالعبور وحده.
وإذا نظرنا إلى قائمة الموانئ الأكثر مناولة للحاويات في العالم، نجد هيمنة واضحة للموانئ الآسيوية. ولم يكن ذلك نتيجة موقعها الجغرافي وحده، بل لتحويل هذه الموانئ من مجرد أرصفة لتفريغ البضائع إلى مراكز للصناعة والخدمات اللوجستية، فأصبحت محركاً للصناعة ولقطاعات اقتصادية تتجاوز حدودها.
ونجد أن الموانئ الصينية ارتبطت بالمناطق الصناعية والاقتصادية المحيطة بها، فأصبحت جزءاً من دورة الإنتاج، تستقبل المواد الخام وتصدر منتجات ذات قيمة أعلى. أما سنغافورة، فاختارت أن تنافس في جانب مختلف، معتمدةً على سرعة المناولة، وكفاءة التشغيل، حتى أصبحت من أهم مراكز إعادة الشحن في العالم.
ولا توجد وصفة واحدة لنجاح الموانئ، لكن ما يجمع التجارب الناجحة هو وضوح الدور الذي يؤديه كل ميناء وارتباطه بما حوله من أنشطة اقتصادية. فالقوة لا تكمن بالضرورة في تشابه أدوار الموانئ، بل في تكاملها، والاستفادة من الميزة النسبية لكل منها، عبر منظومة تمتد من الرصيف إلى المناطق الصناعية واللوجستية وشبكات النقل والربط السككي.
وفي المملكة، يمكن لكل ميناء أن يؤدي دوراً يكمل دور الموانئ الأخرى. فميناء جدة الإسلامي قادر على تعزيز دوره كمركز لإعادة الشحن والتوزيع وإعادة التصدير، مستفيداً من موقعه، وحجم الحركة التجارية التي يشهدها، مع التوسع في أنشطة القيمة المضافة كالتجميع وإعادة التعبئة والتجهيز للسوق المحلي. أما ميناء الملك عبدالله، فتمنحه بنيته الحديثة وارتباطه بالمنطقة الصناعية فرصة ليكون نواة لمنظومة صناعية ولوجستية متكاملة، تتعاظم مع تطوير الربط البري والسككي. وفي شمال البحر الأحمر، يتيح تطوير ميناء نيوم فرصة لبناء نموذج حديث يرتبط بالتقنيات والصناعات المتقدمة والمشاريع النوعية، إلى جانب دوره في خدمة بعض الأسواق الإقليمية.
ومن الجميل أن نرى موانئنا تتقدم في قوائم مناولة الحاويات العالمية، وأن يصبح هذا التقدم محركاً للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، بما يعظم القيمة الاقتصادية لحركة الحاويات عبر موانئنا، ويترجم طموحات رؤية 2030 في جعل المملكة مركزاً لوجستياً عالمياً يربط قارات العالم.