د. عبدالعزيز بن حضيري العروي
في قلب كل حي تقريباً مدرسة، وفي كثير من مدارسنا منشآت ومرافق وإمكانات يمكن أن يمتد أثرها إلى ما بعد انتهاء اليوم الدراسي، ومن هنا يبرز سؤال يستحق التفكير: ماذا لو تحولت بعض المنشآت التعليمية المؤهلة، خارج أوقات الدراسة، إلى فضاءات مجتمعية نابضة بالحياة، تجمع سكان الحي بمختلف أعمارهم واهتماماتهم، وتوفر لهم بيئة آمنة للتواصل والمعرفة والإبداع وممارسة الهوايات وصناعة المبادرات؟
من هذا التساؤل يأتي مقترح «أكاديميات التعليم المجتمعية» وقد لا تكون الفكرة جديدة تماماً، وربما طُبقت بصور مختلفة في مراحل سابقة، إلا أن نجاحها واستدامتها يرتبطان بتطوير نموذج أكثر شمولاً وتنظيماً واستجابةً لاحتياجات المجتمع، وهو نموذج يقوم على تعظيم الاستفادة من بعض المنشآت التعليمية القائمة، واختيار المدارس التي تتوافر فيها المرافق المناسبة من قاعات وملاعب ومسارح ومكتبات ومصادر تعلم وغيرها لتعمل بعد انتهاء اليوم الدراسي وفي أوقات محددة كمراكز مجتمعية متكاملة، دون أن يؤثر ذلك في الوظيفة التعليمية الأساسية للمدرسة.
الفكرة لا تقوم على إنشاء مبان جديدة، بقدر ما تقوم على تعظيم أثر ما نملكه بالفعل؛ فالمدرسة يمكن أن تؤدي رسالتها التعليمية في وقت، ثم تصبح في وقت آخر مساحة للمجتمع، وملتقى للأجيال، وبيئة للمعرفة والهواية والتطوع والإبداع.
والأهم ألا تُختزل هذه الأكاديميات في النشاط الرياضي وحده؛ ففلسفتها تقوم على الشمول والتنوع، بحيث تستوعب مختلف فئات المجتمع وشرائحه العمرية والمهنية، وتقدم برامج ومبادرات ثقافية ومعرفية واجتماعية وصحية ورياضية وتطوعية وأسرية وتقنية وفنية وإبداعية، إلى جانب الهوايات واللقاءات وورش العمل وتبادل الخبرات. فلكل حي احتياجاته، ولكل فئة ميولها واهتماماتها.
وهي بهذا المفهوم ليست موجهة إلى الشباب والشابات وحدهم؛ بل يمكن أن يجد فيها الموظفون والموظفات والمتقاعدون والمتقاعدات والأسر والأطفال والشباب وكبار السن وأصحاب الهوايات والمبدعون والمبدعات، مساحات وبرامج تتناسب مع اهتماماتهم. وللمتقاعدين والمتقاعدات على وجه الخصوص قيمة كبيرة يمكن استثمارها؛ فالتقاعد من الوظيفة لا يعني التقاعد من الخبرة والعطاء، وحضورهم يفتح المجال لنقل التجارب والمعرفة بين الأجيال، ويمنحهم في الوقت نفسه مساحة للتواصل والمشاركة وممارسة اهتماماتهم.
وحتى تكون الأكاديمية نابعة من المجتمع وليست مجرد برامج تقدم له، يمكن أن يكون لمجالس الأحياء والكيانات المجتمعية ذات العلاقة دور في استقراء احتياجات السكان واقتراح البرامج والمبادرات، والمشاركة من خلال مجلس مجتمعي استشاري؛ لأن ما يحتاجه حي قد يختلف عن آخر، والبرامج الأكثر تأثيراً هي التي تنطلق من احتياجات الناس واهتماماتهم.
ومن الأدوار النوعية المقترحة إنشاء حاضنة مجتمعية للإبداع والمبادرات، توفر للمبدعين والمبدعات من مختلف الأعمار بيئة آمنة ومحفزة لعرض أفكارهم وتطويرها وتجريبها، وربط المبادرات المتميزة بالجهات ذات العلاقة؛ لتصبح الأكاديمية مساحة لا لممارسة الأنشطة فحسب بل لصناعة الأفكار والمبادرات والأثر.
وهذا النموذج لا يمثل بديلاً عن المدارس أو البرامج التخصصية القائمة في مجالات الموهبة أو الرياضة وغيرها؛ فـأكاديميات التعليم المجتمعية ليست مساراً تعليمياً أو رياضياً تخصصياً، وإنما امتداد مجتمعي للمنشأة التعليمية خارج وقت الدراسة، يتكامل مع رسالتها ويضيف إليها بعداً اجتماعياً وتنموياً.
أما استدامة المشروع، فيمكن أن تقوم على نموذج مالي وتشغيلي متوازن، من خلال عضويات واشتراكات برسوم مناسبة للأفراد والأسر ورسوم لبعض البرامج النوعية، إلى جانب برامج مجانية أو مدعومة، ورعايات وشراكات مع القطاعين الخاص وغير الربحي، وفق الأنظمة والضوابط المعتمدة. وتوجه الموارد المتحققة إلى التشغيل والصيانة وتطوير البرامج ودعم المبادرات؛ بما يعزز استدامة الأكاديميات دون أن تتحول رسالتها المجتمعية إلى هدف تجاري.
ولعل البداية الأكثر واقعية هي إطلاق تجربة نموذجية في عدد محدود من الأحياء وإدارات التعليم، واختيار منشآت مؤهلة، وقياس أثر التجربة ومستوى المشاركة ورضا المستفيدين وقدرتها على تحقيق الاستدامة، قبل التوسع فيها.
لدينا المنشآت، ولدينا الطاقات والخبرات، وفي أحيائنا احتياجات واهتمامات متعددة. وربما لا يكون السؤال دائماً: ماذا نحتاج أن نبني؟ بل: كيف نجعل ما بنيناه أكثر حضوراً وأثراً في حياة الإنسان؟
فالمدرسة في قلب الحي، فلماذا لا يكون الحي، بعد انتهاء اليوم الدراسي، في قلب المدرسة؟