د. محمد بن إبراهيم الملحم
تحدثت في المقالة السابقة عما حدث في يوليو 2026، إذ ظهرت أزمة في الامتحانات الوطنية في البرتغال لتقدم مثالاً عملياً على خطورة ما يسميه التربويون بـ«الاختبارات عالية المخاطر» High-Stakes Testing والتي خطورتها ليست في صعوبة أسئلتها، بل من ضخامة القرارات التي تبنى على درجاتها وتأثيرها المصيري على مستقبل الطالب، ووضحت أن الدراسات بحثت هذا الموضوع بوفرة كافية وخلصت إلى أنه على الرغم من عدم إنكار هذه الاختبارات ولكن ترى ضرورة الانتباه إلى آثارها، وخلصنا إلى أنها ينبغي أن تكون دليلاً من بين عدة أدلة على تعلم الطالب، لا حكماً نهائياً على قيمته، ولا بوابة وحيدة تحدد مستقبله، ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل هناك عمر معين يصبح معه الطالب أكثر قدرة على تحملها دون أن تؤثر في تعلمه ودافعيته؟
الواقع أن الدراسات لا تقدم، فيما يبدو، مثل هذا العمر الفاصل، وما هو ثابت أن هناك أسباباً قوية تجعلها أكثر إشكالاً في الأعمار المبكرة، فقد أوصى المجلس القومي للبحوث National Research Council في الولايات المتحدة بألا تستخدم مع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثماني سنوات أو يدرسون دون الصف الثالث، لأن مشكلات صدق القياس واحتمالات الخطأ تكون أكبر لدى الأطفال الصغار، ومع ذلك فإن تجاوز الثامنة لا يعني انتهاء المشكلة، فقد أجرت دافينا روبسون Davina A. Robson وزملاؤها عام 2023 تحليلاً تجميعياً شمل 76 دراسة و53,617 طفلاً بين الخامسة والثانية عشرة (أي المرحلة الابتدائية) ووجدوا ارتباط قلق الاختبار بانخفاض التحصيل الأكاديمي ومفهوم الطالب الأكاديمي عن نفسه وكفاءته الذاتية. أي إذا زاد قلق الاختبار قل التحصيل لدى هذه الفئة العمرية. وفي المرحلة المتوسطة لا تختفي المشكلة فقد درس بيورن هوغبيري Bjrn Hgberg ودانيال هورن Daniel Horn أكثر من 300 ألف طالب بين أعمار 11 و15 سنة في 31 دولة أوروبية، ووجدا أن هذا النوع من الاختبارات رفع احتمال حدوث «الضغط المدرسي» بنحو 12 في المائة، والأهم أن الاختبارات الوطنية منخفضة المخاطر المستخدمة لأغراض أخرى (غير تقرير المصير) لم تظهر الأثر نفسه، مما يؤكد أن المشكلة ليست في طبيعة الاختبار وأسئلته، بل في النتائج المعلقة عليه.
تشير الدراسات إلى أن بلوغ المرحلة الثانوية لا يعني زوال آثار الاختبارات عالية المخاطر، ولا توجد أدلة تحدد عمراً يصبح عنده الطالب محصناً من أثرها النفسي أو التربوي، ففي بريطانيا عام 2026 تابع ديفيد بوتوين David W. Putwain ولورا نيكولسون Laura J. Nicholson ورينهارد بيكرون Reinhard Pekrun عدد 533 طالباً في التعليم الثانوي الأعلى، بمتوسط عمر 16.4 سنة، ووجدوا علاقة مهمة بين قلق الاختبار والتحصيل؛ فالقلق الأعلى تنبأ بتحصيل أقل لاحقا، وفي أستراليا عام 2021 تابعت فيفيانا ووثريتش Viviana M. Wuthrich وزملاؤها 638 طالباً بين 15 و18 عاماً خلال السنة الأخيرة من الثانوية، ووجدوا ارتفاع الضغط والقلق مع تقدم العام الدراسي، وكان قلق الاختبار من العوامل المرتبطة بزيادة الضيق النفسي، أما الدراسة الأكثر اتصالاً بـ«التعلم الحقيقي» فهي دراسة إيمر سميث Emer Smyth وجوان بانكس Joanne Banks في أيرلندا عام 2012. فقد وجدت أن اقتراب الاختبارات عالية المخاطر صاحبه تراجع المشروعات والعمل الجماعي والتعلم النشط، مقابل زيادة التدريس الموجه للامتحان والتدرب على أسئلة السنوات السابقة، كما أصبح بعض الطلاب ينظرون إلى الموضوعات غير الداخلة في الامتحان باعتبارها أقل أهمية، وهذا مشاهد لدينا بوضوح أيضا، وتدعم ذلك دراسة بيورن هوغبيري Bj?rn H?gberg ودانيال هورن Daniel Horn عام 2022، التي شملت أكثر من 300 ألف طالب بين أعمار 11 و15 عاماً في 31 دولة أوروبية، فقد ارتبطت الاختبارات الوطنية عالية المخاطر بزيادة واضحة في الضغط المدرسي، بينما لم يظهر الأثر نفسه مع الاختبارات الوطنية منخفضة المخاطر، وهكذا لا يبدو أن هناك «عمراً آمناً» تختفي عنده آثار الاختبار المصيري. قد يتحسن الطالب مع العمر في إدارة الوقت وفهم متطلبات الاختبار، لكن هذا لا يضمن اختفاء أثره في القلق أو الدافعية أو طبيعة التعلم. والواقع أن الطالب قد يحقق درجة مرتفعة، لكنه يتعلم تدريجياً أن قيمة المعرفة فيما تمنحه من درجات، وأن ما هو ليس يدخل في الاختبار أقل أهمية، وهذا قد يدفعنا إلى القول أن الأعمار الأكبر سنا يتوقع لها أنها أكثر تحملا لهذا النوع من الاختبارات. ولكن لا بد أن نشير إلى أنه لا يبدو أن السؤال المناسب هو: في أي عمر يصبح الطالب قادراً على تحمل الاختبار عالي المخاطر؟ وإنما: كيف نحصل على فوائد الاختبارات دون أن نحمل اختباراً واحداً أكثر مميحتمل، ولعلنا نبسط ذلك أكثر في المقالة القادمة إن شاء الله.
** **
- مدير عام تعليم سابقا