مبارك بن عوض الدوسري
هناك أماكن يصنعها التاريخ، وهناك أحداث تصنعها الفكرة؛ وعندما يلتقي التاريخ بالفكرة، يولد مشروع قادر على أن يلفت أنظار العالم؛ ومن هذا المنطلق، أرى أن الوقت قد حان لإطلاق «موسم الفاو» ليكون أحد المواسم السياحية الوطنية المميزة التي تفتح نافذة جديدة على واحدة من أعظم المدن الأثرية في الجزيرة العربية.
لقد أثبتت المملكة خلال الأعوام الماضية أنها لا تنظم فعاليات ترفيهية فحسب، بل تصنع تجارب متكاملة أصبحت محط اهتمام الإعلام العالمي، وأسهمت في إعادة رسم الخريطة السياحية للمملكة، بفضل الرؤية الطموحة والدعم الكبير الذي تحظى به وزارة السياحة لتكون قوة ناعمة تخدم الاقتصاد والسياحة معاً.
وقرية الفاو الأثرية تستحق أن تكون المحطة القادمة لهذا النجاح؛ فهي ليست مجرد موقع أثري، بل مدينة عريقة تختزن آلاف السنين من الحضارة، وتروي صفحات مشرقة من تاريخ الجزيرة العربية، إلا أن قيمتها العالمية ما زالت بحاجة إلى مزيد من الحضور الإعلامي والتسويق السياحي، وهو ما يمكن أن يحققه «موسم الفاو» بامتياز.
ولعل من أجمل النماذج التي يمكن استحضارها ما قامت به مملكة البحرين عام 1978 عندما أحيت الفنانة الكبيرة فيروز حفلاً بالقرب من قلعة عراد التاريخية، فارتبط اسم القلعة بذلك الحدث في ذاكرة أجيال كاملة؛ واليوم وفي عصر المنصات الرقمية والبث المباشر، يمكن لأي فعالية عالمية أن تصل إلى مئات الملايين من المشاهدين خلال ساعات، ليصبح اسم الفاو متداولاً في مختلف أنحاء العالم.
ولا يقف «موسم الفاو» عند حدود معينة، بل يمكن أن يتحول إلى مهرجان حضاري متكامل، يضم عروضاً بصرية تحكي تاريخ المدينة، ومعارض للآثار المستنسخة، وقرية للحرف التقليدية، ومهرجاناً للمأكولات الشعبية، ومنتديات ثقافية، وسباقات للهجن والخيل، ورحلات ميدانية إلى المواقع التاريخية، إلى جانب الأسواق التراثية، لتصبح التجربة ثرية ومتنوعة لكل أفراد الأسرة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الموسم سيسهم في تنشيط الحركة التجارية، ورفع نسب الإشغال الفندقي، ودعم الأسر المنتجة، وتحفيز المستثمرين على إنشاء المزيد من المشاريع السياحية، فضلاً عن توفير فرص عمل موسمية للشباب والشابات، ليصبح الموسم رافداً اقتصادياً وثقافياً وسياحياً في آن واحد.
إن الفاو لا تحتاج إلى حملة تعريف تقليدية، بل إلى حدث عالمي يصنع لها حضوراً دائماً في ذاكرة الناس؛ وعندما يتحول الفن إلى جسر يعبر بالناس نحو التاريخ، فإن المكاسب تتجاوز حدود الترفيه، لتصبح استثماراً في الهوية الوطنية، وتعزيزاً للقوة الناعمة للمملكة، ورسالة حضارية تؤكد أن المملكة تعرف كيف تحافظ على تاريخها، وكيف تقدمه للعالم بأرقى صورة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ختام هذا المقترح، أن نجاح «موسم الفاو» لن يُقاس بعدد الحضور في ليلة الافتتاح، بل بعدد الزوار الذين سيقصدون الفاو بعد انتهاء الموسم، لأنهم سمعوا عنها، وأرادوا أن يشاهدوا بأنفسهم مدينةً كتبت صفحاتٍ مضيئة من تاريخ الجزيرة العربية، وأصبحت اليوم تستعد لكتابة صفحة جديدة عنوانها: الفن في خدمة التاريخ، والترفيه في خدمة الحضارة، فإلى معالي وزير السياحة الأستاذ أحمد الخطيب نهدي هذا الاقتراح، لعل الوزارة تتبناه.