فهد الفهد
تتميّز كثير من بلدات نجد بتاريخٍ مُوغل في القِدم، إذ تعاقبت عليه أجيال من السكان عبر القرون، وتداولها قبائل وأُسر مختلفة، فكانت تُعمر زمناً ثم تُهجر فتخرب، ثم يُعاد إعمارها مرة أخرى على أطلال بلدة سابقة لها وهكذا دواليك، ولهذا فإن تاريخ كثير من البلدات النجدية ليس تاريخاً متصلاً، بل هو سلسلة من مراحل الخراب وإعادة الإعمار، ولعل من ابرز الأسباب التي أدت إلى هجرة البلدان وخرابها - والتي أجمع عليها المؤرخون هو: (القحط والجدب -الأوبئة التي تدفع السكان إلى الرحيل - الحروب والنزاعات الداخلية - التضييق من القوى المجاورة أو القبائل المنافسة - ضياع اخبار البلدة بسبب ضعف التدوين أو أنعدامه أحياناً).
وتأسيساً على ما سبق: فإن إعمار البلدات -أي بلدة- لا تعني بالضرورة أنها نشأت لأول مرة في ذلك التاريخ، بل قد يكون ذلك تاريخ بعثها من جديد بعد فترة خرابها. لأنه من غير الدقيق تاريخياً الجزم بأن تاريخ إعمار بلدة ما هو نفسه تاريخ تأسيسها الأول إلا إذا وُجد نص صريح أو وثيقة معاصرة، فالكثير من التواريخ المتداولة في بعض الكتابات المحلية تُمثل تاريخ البعث أو إعادة الاستيطان لا تاريخ النشأة الأولى.
ولعل سبب انتشار هذه الأخطاء - كما ورد في بعض البحوث والدراسات العلمية: أن اجتهاداً ورد في مصدر متأخر أو عند كاتب معين ثم تناقله من جاء بعده دون مراجعة أو تمحيص، حتى تحوّل مع مرور الزمن إلى معلومة متداولة يُرددها الناس على أنها حقيقة تاريخية ثابتة مع أنها قد لا تعدو عن كونها فرضية أو اجتهاداً يحتاج إلى إعادة النظر في ضوء المصادر والشواهد المتاحة.
وجاء في دراسة نُشرت في مجلة الدارة - العدد الثاني - ربيع الآخر 1432هجرية - تأليف د فهد عبدالعزيز الدامغ، والتي تهدف إلى تقديم قراءة نقدية لتواريخ تأسيس وإعادة إعمار خمس من البلدات النجدية (روضة سدير - التويم - حرمة - المجمعة جلاجل) والتي شاعت في الكثير من المؤلفات والمواقع الإلكترونية وأصبحت شبه مسلمات، اعتمدت هذه الدراسة على استقصاء المعلومات والأخبار من المصادر التاريخية والجغرافية والمقارنة بينها، والاستفادة من القرائن النقلية والعقلية لدفع الأوهام وتصحيح التناقضات، ثم فحص التواريخ المذكورة في المصادر خاصة تلك التي اعتمدت على روايات بن لعبون (يرحمه الله) وبيان تعارضها مع سلاسل الأنساب وقواعد حساب الزمن، كما اظهرت الدراسة أن التواريخ الشائعة لتأسيس أو إعادة إعمار هذه البلدات وخاصة تلك التي تعود إلى القرنين السابع والثامن الهجريين غالباً ما تكون تقديرية وغير دقيقة وتتعارض مع الأدلة التاريخية والأثرية، ثم اقتراح تواريخ بديلة أكثر قُرباً للواقع، بناء على تحليل مُعمق للسلاسل النسبية والأحداث التاريخية الموثقة. وتؤكد الدراسة ضرورة إجراء المزيد من الدراسات العلمية الميدانية والأثرية، والتعاون بين الباحثين والأفراد لتوثيق تاريخ هذه البلدات بشكل دقيق وموثق. كما تتناول هذا الدراسة ما شاع في كثير من المؤلفات والبحوث والمواقع الإلكترونية من تقديرات واجتهادات لتاريخ تأسيس وإعادة إعمار هذه البلدات النجدية -المذكورة سلفاً -، تلك التقديرات التي أصبحت عند الكثيرين أشبه بالمسلمات على الرغم مما فيها من خلل، وكانت غاية هذه الدراسة تجاوز تكرار ما ذكره السابقون دون إعمال للفكر ومقارنة للأحداث إلى اخضاع تلك الآراء والتقديرات لمناقشة علمية ناقدة مُعزَّزة بالقرائن والأدلة النقليةوالعقلية التي تكشف عما تنطوي عليه بعض المعلومات من تناقضات وتدفع الوهم ومن ثم تطرح رأياً بشأن تاريخ تأسيس أو إعادة إعمار تلك البلدات.
العلة النفسية التي تبعث قضية بلدات نجد وتدفع المؤرخين والباحثين إلى المبالغة في تقديم تواريخ نشأتها أو ربطها الدائم بالتأسيس الأول بدلاً من إعادة الإعمار : هي النزعة النفسية إلى المفاخرة وإثبات الأقدمية التاريخية للبلدة أو الأسرة، وينبع هذا الوازع النفسي من الرغبة في تعزيز الهوية المكانية والوجاهة الاجتماعية، حيث يميل العقل الجمعي والمؤرخون المحليون إلى تفسير أي إعادة إعمار أو بعث لبلدة خربت بعد هجرانها على أنه تأسيس أصيل ونشأة أولى من العدم، وهذا ينبع - أيضاً - من دوافع وجدانية ونفسية محددة تشمل (الرغبة في التميّز وبناء أمجاد البدايات، لأن النفس البشرية تجد فخراً كبيراً في الرياد(النشوء من العدم وارجاع تاريخ بلدة ما إلى لحظة تأسيس صريحة على يد جد أو أس رة معينة تمنح الساكنين شعوراً بالملكية النفسية والرمزية الكاملة للمكان وتجعلهم يربطون هويتهم بالمؤسس الأول بدلاً من مجرد مستوطنين تالين في موقع سكنه غيرهم عبر قرون). والواقع الماثل أن البعض يخلط بين التأسيس وإعادة الإعمار لأسباب تتعلق بالرغبة في تعظيم الأجداد أو لغياب الوثائق الدقيقة أو طمساً لتاريخ سابق سقط من الذاكرة، هذا التضليل يمنح العائلة أو البلدة مكانة أسمى في نظر الناس.
إن المناقشات التي تدور هذه الأيام حول تأسيس أو إعادة البلدات في نجد ليست ظاهرة صحية بأسلوبها القائم على الشحن.. بل جدل عقيم لا طائل تحته عندما تتعلق بتأسيسها أو إعادة إعمارها فإنها تصبح مضيعة للوقت والجهد في تفاصيل غير واقعية تتعارض مع الأولويات الملحة للبناء والتطوير دون أن يقنع أحدهما الآخر ودون أن يتنازل كلاهما عن وجهة نظره مما يؤدي إلى اختلال في التوازن الفكري.
وهنا تحدث الجدال والخلافات بين الأطراف، وخاصة في تدخل البعض في تعليقاته المذيلة في المقالات والردود دون علم أو معرفة، مما يُغيَّب الهدف الرئيسي للنقاش لنثبت للآخرين بأننا نحن من أسس هذه البلدة أو تلك دون اعتبار للحقيقة وإنما انتصار للذات.
وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى.