أحمد بن محمد الغامدي
هناك مشروعات تولد من حاجة، وأخرى تولد من رؤية، لكن القليل منها يولد من إحساس عميق بقيمة الإنسان، ثم يكبر ليصبح رسالة تتجاوز حدود المكان، ومن هذا النوع تأتي تجربة الجمعية الخيرية لإكرام المسنين بمنطقة الباحة «إكرام»، التي بدأت فكرة إنسانية، ثم تحولت إلى مشروع مؤسسي رائد في رعاية كبار السن، يؤكد أن المجتمعات لا تقاس فقط بما تبنيه من منشآت، وإنما بما تمنحه للإنسان من كرامة ووفاء، بعدما صارت مصدر فخر واعتزاز لكل مواطن سعودي ينتمي إلى هذه الأرض الطيبة.
منتجع «إكرام» الوطني يمثل تجربة سعودية رائدة في رعاية كبار السن؛ إذ صُمم ليكون بيئة معيشية وصحية واجتماعية متكاملة، لا يشعر فيها المسن بأنه في مركز للرعاية، بل في منزل يفيض بالطمأنينة والاحترام، وأجمل ما يلفت الانتباه في هذا التجربة، أنها لا تنظر إلى كبار السن باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية فقط، بل باعتبارهم ذاكرة الوطن، وخبراته المتراكمة، وأصحاب العطاء الذين يستحقون أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم في بيئة تحفظ مكانتهم وتصون كرامتهم.
يقف وراء هذه التجربة الاستثنائية مؤسس الجمعية الدكتور سعيد بن سعد آل مرطان، الشخصية الوطنية التي جمعت بين رصانة العلم وعمق العطاء الخيري، فبالنظر إلى مسيرته العلمية والأكاديمية، نجد أساساً متيناً صِيغ بتميز؛ حيث حصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الرياض عام 1971م، ثم نال الماجستير من جامعة ولاية أيوا الأمريكية عام 1975م، ليتوج رحلته بالدكتوراه في الاقتصاد من جامعة نبراسكا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1980م، وعاد ليثري الميدان الأكاديمي أستاذاً مساعداً ورئيساً لقسم الاقتصاد بجامعة الملك سعود، وكيلاً وعميداً بالنيابة لمركز الدراسات الجامعية للبنات، مساهماً في إعداد أجيال من الاقتصاديين عبر التدريس والإشراف العلمي وتأليف كتابه الشهير «مدخل للفكر الاقتصادي الإسلامي.
هذا البناء الأكاديمي واكبته مسيرة مهنية قيادية رفيعة في القطاعين المالي والاستثماري محلياً ودولياً؛ حيث شغل مناصب تنفيذية وعضويات مجالس إدارة في مؤسسات مصرفية كبرى؛ فكان مساعداً للمدير العام ومديراً للخدمات المصرفية الإسلامية بالبنك الأهلي التجاري، والرئيس التنفيذي لمصرف البحرين الشامل، والنائب التنفيذي لرئيس مجموعة دار المال الإسلامي بجنيف، وعضو مجلس إدارة بنك الجزيرة، وعضواً في الهيئة الاستشارية لإمارة منطقة الباحة، بالإضافة إلى تمثيل المملكة كخبير دولي في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا بالأمم المتحدة.
ما يلفت النظر في سيرة الدكتور آل مرطان ليس فخامة المناصب التي شغلها، وإنما قدرته الفائقة على تسخير هذه الخبرة الإدارية والاقتصادية العميقة وتحويلها إلى مشروع إنساني مستدام يخدم المجتمع، وبصفته صاحب فكرة ومؤسس جمعية «إكرام» ورئيس مجلس إدارتها لفترتين متتاليتين، نجح في قيادة الجمعية لتحقيق إنجازات غير مسبوقة؛ فنالت في عهده جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز للعمل الإنساني، وجائزة الوطن العربي في رعاية كبار السن، وجائزة الإبداع والتميز بالباحة.
ومن هنا يمكن فهم «إكرام» بصورة أعمق؛ فالمشروع ليس نشاطًا خيريًا عابرًا، وإنما خلاصة مسيرة طويلة من المعرفة والإدارة والعمل المؤسسي، أعاد الدكتور سعيد توجيهها نحو قضية إنسانية شديدة الأهمية: كيف نحفظ للإنسان مكانته حين يتقدم به العمر؟
ختامًا، فإن «إكرام» التي تقدم خدماتها لأكثر من 11,500 مستفيد سنويًا، ليست مجرد جمعية لرعاية كبار السن، وإنما قصة نجاح إنسانية بدأت من الباحة، وتحمل في جوهرها رسالة يمكن أن تصل إلى العالم: أن كرامة الإنسان لا تتراجع بتقدم العمر، وأن الوفاء الحقيقي هو أن نرد لأصحاب العطاء بعضًا من جميل ما قدموه. ومن هنا، فإن تكريم الدكتور سعيد آل مرطان هو في جوهره تكريم لقيمة إنسانية، ولمشروع سعودي يستحق أن يُعرّف به ويُحتفى بصاحبه.