حمد عبد العزيز الكنتي
لم يرتبط تاريخ مكة المكرمة بالحج والعمرة وقصد المسلمين إليها من كل فج عميق فقط، وإنما هي مدينة تراكمت في ذاكرتها الإنسانية والدينية والسياسية قصص العهود والمواثيق التي كان آخرها ما تابعناه بإعجاب شديد حينما شهدت مكة المكرمة يوم الجمعة الماضي توقيع (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) - بعد صلاة الجمعة - بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في قصر الصفا بمكة المكرمة، والتي أكدت بحزم أن: (أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً على الجميع).
جاءت هذه الاتفاقية بدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في قصر الصفا المطل على المسجد الحرام.
اختيار مكة المكرمة لتوقيع اتفاقية بهذا المستوى له من الدلالة السياسية والأمنية التي تحمل في طياتها بُعداً رمزياً عميقاً يستدعي تاريخاً طويلاً من المواثيق التي ارتبطت بهذه المدينة المقدسة التي تعد من الأزل فضاءً تعقد فيه العهود، وتُصان فيه الذمم، ويرتفع فيه صوت الحق والعدل فوق صوت القوة، إلى جوار صوت الأذان الذي يرتفع خمس مرات في اليوم ليذكر المسلمين بقبلتهم الكعبة المشرفة التي يتوجهون إليها أثناء صلواتهم في كل يوم وليلة.
من هنا يمكن قراءة اتفاقية الدفاع المشترك الجديدة باعتبارها حلقة جديدة، في بعدها الرمزي، في سلسلة طويلة من المواثيق والأحلاف التي شهدتها مكة المكرمة، وفي مقدمتها حلف الفضول، ذلك الحلف الذي حدث في شهر ذي القعدة عام 33 قبل الهجرة، حين اجتمعت بطون من قريش في دار عبدالله بن جدعان، وتعاهدوا على ألا يجدوا في مكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم إلا قاموا معه حتى تُرد إليه مظلمته.
وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحلف وهو فتى في العشرين من عمره، ثم بقيت قيمته حاضرة في ذاكرته بعد البعثة تتجسد في الكلمات العظيمة التي قالها - صلى الله عليه وسلم - عنه (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حُمر النِعَم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت).
وبين حلف الفضول واتفاقية الدفاع المشترك مسافة زمنية هائلة، واختلاف كبير في طبيعة الظروف والفاعلين والمفاهيم السياسية والأمنية، لكن ثمة قيمة مشتركة تستحق التوقف عندها؛ وهي أن العهد يصبح أكثر قيمة حين يكون هدفه حماية الإنسان وصيانة الأمن ومنع الاعتداء، وأن القوة تكتسب مشروعيتها حين تُوظف لحماية الحق والاستقرار.
وفي ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة عند الحديبية، على مشارف الحرم. وهناك جرت مفاوضات شاقة انتهت بصلح سماه القرآن الكريم (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، حيث وضع الصلح الحرب عشر سنين، وفتح الباب أمام القبائل أن تدخل في عهد من شاءت، ومهّد لفتح مكة بعد عامين.
تحول صلح الحديبية إلى درس خالد في إدارة الأزمات وفهم موازين القوة؛ فقد أثبت أن السلام المدروس ليس بالضرورة تعبيراً عن الضعف، وأن التهدئة في لحظة معينة قد تكون الطريق الأقصر إلى انتصار أكبر في المستقبل.
وفي العصر الحديث، لم ينقطع هذا الدور الرمزي لمكة المكرمة، ففي مطلع الثمانينيات الميلادية وتحديداً في يناير 1981م، عُقدت القمة الإسلامية الثالثة في مكة المكرمة والطائف والتي تميّزت بعقد جلستها الافتتاحية في رحاب المسجد الحرام، بجوار الكعبة المشرفة، في مشهد نادر جمع قادة الأمة الإسلامية في أطهر البقاع، باعثين برسالة واضحة إلى العالم تقول إن مكة مكان يجمع ولا يُفرق، ويُذكّر الأمة بجذورها المشتركة.
منذ ذلك الحين توالت الوثائق والقمم التي تحمل اسم مكة، ومنها اتفاق مكة بين فتح وحماس عام 2007 برعاية المملكة، ثم وثيقة مكة المكرمة عام 2019 التي أقرها أكثر من 1200 عالم وشخصية إسلامية لتأصيل قيم التعايش والوسطية والاعتدال.
وبذلك تحولت (مكة) في الوعي السياسي والثقافي الإسلامي إلى عنوان للتوافق والبحث عن أرضية مشتركة تستطيع أن تستوعب الاختلافات، وتُعيد توجيهها نحو ما يجمع الأمة على كلمة واحدة.
فالاتفاقية تأتي من مكة، وفي مكة، وباسم مكة؛ الأمر الذي يمنحها بُعداً رمزياً يستحق التوقف عنده، فمكة التي شهدت حلف الفضول لنصرة المظلوم، وشهدت صلح الحديبية كفتح للسلام، وشهدت قمم الأمة في رحاب الحرم، تعود اليوم لتكون شاهدة على ميثاق دفاعي معاصر في زمن تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وتتداخل الحسابات السياسية والأمنية، وتتشابك المصالح بصورة غير مسبوقة، ليتأكد بذلك أهمية الدور السعودي العظيم في اختيار مكة لتكون مكاناً لمثل هذه اللقاءات والمواثيق في بقعة مقدسة لها مكانة كبيرة في وجدان المسلمين.
فمن دار عبدالله بن جدعان إلى قصر الصفا، ومن حلف الفضول إلى اتفاقية الدفاع المشترك، تتغير أسماء الأطراف، وتتبدل الظروف، وتتطور أدوات السياسة، لكن يبقى الدرس واحداً: أن العهود التي تُبرم في جوار البيت الحرام تحمل من الصدق والثقل ما يجعلها أكثر من مجرد أوراق موقعة.
إنها رسائل إلى الحاضر والمستقبل، بأن مكة التي جمعت الناس على كلمة واحدة عبر القرون، قادرة أيضاً على أن تكون فضاءً للاتفاق على حماية الأمن، وتعزيز الاستقرار، وصون المصالح، وفتح الطريق أمام سلام أكثر رسوخاً في منطقة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى لغة التفاهم بدلاً من لغة الصدام.
وهذا ما يجعل قراءة الاتفاقية من زاوية التاريخ أكثر عمقاً من قراءتها باعتبارها اتفاقاً أمنياً عابراً؛ فهي في رمزيتها تنتمي إلى إرث طويل من المواثيق التي اختارت مكة مكاناً لها، واستمدت من المكان ثقلها المعنوي والتاريخي، لتبقى مكة المكرمة عبر العصور مدينة المواثيق تعاد فيها صياغة العلاقات بين الأمم على أسس من العدل والأخوة والمسؤولية المشتركة.