عبدالرحمن العطوي
ليست كل الاتفاقيات سواء وليست كل القمم مجرد لقاءات سياسية عابرة، فهناك لحظات في تاريخ الدول تأتي لتكشف حجم الدولة الحقيقي ومكانتها وقدرتها على صناعة الأحداث لا الاكتفاء بمتابعتها وما شهدته مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026م كان واحدا من تلك المواقف التي تستحق أن تقرأ بعين التاريخ لا بعين الخبر العابر.
إنها السعودية التي لا تتحرك في السياسة بردود الأفعال ولا تتعامل مع أمنها ومصالحها بمنطق اللحظة وإنما تقرأ المشهد من أوسع أبوابه وتبني قراراتها على رؤية تعرف أين تقف المملكة اليوم وإلى أين تريد أن تصل غدا.
في مكة المكرمة حيث المكان الذي يحمل أعظم رمزية في وجدان المسلمين اجتمع ثقل سعودي وتركي وباكستاني في قمة حملت عنوان الدفاع المشترك وانتهت بتوقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الجميع مع تطوير أوجه التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك، فهي ليست مجرد توقيع على ورق وليست مجرد صياغة سياسية جديدة وإنما هي رسالة واضحة بأن الأمن لا يبنى بالأمنيات وأن الردع الحقيقي يبدأ عندما تعرف الأطراف المعادية أن الاعتداء على دولة لن يبقى شأنا منفردا، بل سيجد أمامه منظومة من الشراكة والتعاون والمصالح المشتركة والأهم من الاتفاقية ذاتها هو المكان الذي ولدت فيه والقيادة التي دفعت باتجاهها والظرف الإقليمي الذي جاءت فيه.
المملكة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة رقما مهما في صناعة القرار الإقليمي والدولي والتي لم تعد تنظر إلى موقعها باعتباره موقع دولة مؤثرة في محيطها فقط، بل باعتباره موقع دولة قادرة على بناء الشراكات وتشكيل التوازنات والمساهمة في صناعة منظومة أمن واستقرار تتجاوز حدودها الجغرافية وهذا هو أحد أهم التحولات التي صنعتها رؤية القيادة السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان الذي لا يتحرك في فضاء السياسة بمنطق رد الفعل وإنما بمنطق المبادرة ولا ينتظر أن تتشكل التحولات من حول المملكة حتى تتعامل معها، بل يعمل على أن تكون المملكة في قلب صناعة هذه التحولات.
إن قراءة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بمعزل عن المسار السعودي المتصاعد في بناء الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية قراءة ناقصة، المملكة اليوم تمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا يجعل قراراتها محل متابعة واهتمام عالمي وهي دولة محورية في المنطقة وقوة اقتصادية كبرى وعضو مؤثر في مجموعة العشرين وقلب العالم الإسلامي وبلد يحتضن الحرمين الشريفين وتملك في الوقت نفسه علاقات واسعة مع القوى الدولية الكبرى.
وحين تجتمع هذه العناصر في دولة واحدة فإن القرار الذي يصدر من الرياض لا يكون قرارا عاديا، بل قرارا له امتداداته وحساباته وتأثيراته..
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به الأمير محمد بن سلمان. فولي العهد استطاع أن ينقل مفهوم القوة السعودية من مفهوم يرتكز على عناصر القوة التقليدية إلى مفهوم أكثر اتساعا تتكامل فيه السياسة مع الاقتصاد والدبلوماسية مع الأمن والتنمية مع الاستقرار والشراكات الدولية مع المصالح الوطنية.
وهذا ما يجعل المملكة قادرة على التحرك بثقة وهدوء في ملفات شديدة التعقيد..
اتفاقية مكة تقول: إن السعودية لا تبحث عن الحرب وإنما تبحث عن السلام الذي يحميه الردع ولا تريد إشعال الصراعات وإنما تريد أن تجعل تكلفة الاعتداء أكبر من قدرة المعتدي على تحملها وهذه نقطة بالغة الأهمية، فالسلام الذي لا تحميه قوة يصبح أمنية، أما السلام الذي يستند إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وشراكات إستراتيجية فإنه يتحول إلى معادلة واقعية قادرة على الصمود، كما أن اختيار تركيا وباكستان ليس تفصيلا عابرا
فتركيا دولة ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي كبير وتمتلك خبرات واسعة في المجال الدفاعي، بينما تمثل باكستان ثقلا عسكريا وإستراتيجيا مهما في العالم الإسلامي والمنطقة وتملك خبرات وقدرات دفاعية معروفة وعندما تلتقي هذه القدرات مع ثقل المملكة ومكانتها وشبكة علاقاتها فإن الناتج ليس مجرد جمع لثلاث دول وإنما بناء مساحة جديدة من التعاون الإستراتيجي والعالم تغير معها والقرار السعودي أصبح أكثر استقلالا وآلية ووضوحا وجرأة في حماية المصالح الوطنية والدفاع عن أمن المنطقة والمساهمة في صناعة الاستقرار.
لقد أثبتت القيادة السعودية أن القوة لا تعني رفع الصوت وأن الحزم لا يحتاج إلى ضجيج وأن الدول الكبرى لا تحتاج في كل موقف إلى إعلان. كل ما تفكر فيه يكفي أن ترى نتائج التحرك السعودي لتدرك حجم التأثير ويكفي أن ترى كيف أصبحت الرياض محطة رئيسة للقمم والحوارات والشراكات حتى تعرف أن المملكة لم تعد تتلقى خرائط المنطقة وإنما أصبحت شريكا أساسيا في رسم ملامحها.
وفي هذا السياق تأتي مكة المكرمة لتمنح الاتفاقية بعدا إضافيا، فالمملكة التي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين تعرف أن مسؤوليتها تتجاوز حدودها وأن استقرارها وأمنها عنصر أساسي في استقرار المنطقة والعالم الإسلامي ولهذا فإن اتفاقية تحمل اسم مكة وتحمل مضمونا يقوم على الدفاع المشترك والردع والتعاون والأمن والسلام ليست مجرد تسمية وإنما تحمل دلالة عميقة على المكانة التي تتمتع بها المملكة وعلى الثقة التي تحيط بقيادتها.
إنها السعودية التي تعرف متى تتحدث ومتى تتحرك ومتى تبني الشراكات؟
إنها السعودية التي لا تبحث عن نفوذ على حساب الآخرين وإنما تبني نفوذها من خلال قوتها ومصالحها وشراكاتها وقدرتها على التأثير، إنها السعودية التي أصبح اقتصادها إحدى أهم أدوات قوتها وأن مشاريعها التنموية ورؤيتها المستقبلية ليست منفصلة عن مكانتها السياسية وإنما تسير معها في اتجاه واحد، إنها السعودية التي يدرك العالم أن أمنها ليس شأنا سعوديا فحسب وأن استقرارها جزء من استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية والمنطقة بأكملها.
ولهذا فإن اتفاقية مكة ليست نهاية الطريق، بل محطة جديدة في طريق طويل بدأته المملكة منذ سنوات لبناء علاقات إستراتيجية أكثر عمقا وتوازنا وتنوعا.
وقد يكون أهم ما فيها أنها جاءت في وقت شديد الحساسية لتقول بوضوح إن المنطقة ليست بلا خيارات وإن الدول التي تمتلك الإرادة والقدرة على حماية مصالحها تستطيع أن تصنع ترتيباتها الأمنية وأن تبني شراكاتها وأن ترسم مستقبلها بقرارها الوطني.
وهذا هو جوهر القوة السعودية، قوة لا تقوم على الاستعراض وإنما على الفعل وقوة لا تبحث عن الصدام وإنما تمنع الصدام وقوة لا تفرض نفسها بالصوت المرتفع وإنما تجعل حضورها أمرا لا يمكن تجاهله وفي كل ذلك يقف الأمير محمد بن سلمان باعتباره أحد أبرز صناع التحول السعودي الحديث يقود المملكة برؤية واسعة تجعل من القوة السعودية أداة لحماية الوطن وتعزيز أمن المنطقة ودعم الاستقرار وفتح أبواب المستقبل.
إنها السعودية التي تقول للعالم إن الدول لا تقاس فقط بمساحاتها ولا بعدد سكانها وإنما بما تملكه من إرادة وما تصنعه من قرارات وما تبنيه من شراكات وما تتركه من أثر وإذا كان التاريخ يسجل الاتفاقيات فإنه يسجل قبلها الرجال الذين كانوا وراءها والظروف التي صنعتها والدول التي امتلكت شجاعة اتخاذها وفي مكة المكرمة كتب الأمير محمد بن سلمان مع تركيا وباكستان صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدفاعي المشترك.
صفحة عنوانها الأمن والردع والشراكة والاستقرار ووراء كل ذلك رسالة سعودية واضحة نحن لا نبحث عن حرب لكننا نملك من القوة والشراكات والإرادة ما يجعل الاعتداء علينا أو على شركائنا قرارا بالغ الكلفة، تلك هي السعودية دولة تعرف وزنها وقيادة تعرف حجم مسؤوليتها وولي عهد يعرف كيف يحول ثقل المملكة من مكانة راسخة إلى تأثير يصنع المستقبل وهنا فقط يمكن أن نفهم لماذا كانت مكة المكرمة شاهدة على هذه اللحظة
ولماذا كان محمد بن سلمان في قلبها ولماذا ستبقى اتفاقية مكة للدفاع المشترك واحدة من المحطات التي سيعود إليها التاريخ عندما يتحدث عن صعود الدور السعودي في صناعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، إنها السعودية بكل ثقلها وبكل تأثيرها وبكل ما تمثله من أمن واستقرار وقرار وسيادة وقوة وصناعة للمستقبل.