د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليس من الحكمة قراءة الاتفاق بوصفه نسخة عربية أو إسلامية من حلف شمال الأطلسي. فالمادة الخامسة من معاهدة الناتو تعمل داخل مؤسسة عسكرية متكاملة لها هياكل قيادة وسيطرة وآليات تشاور وقوات وقدرات مشتركة متراكمة عبر عقود، لكن الاتفاق المكي، ما زال في مرحلته السياسية والقانونية الأولى، بينما تبقى تفاصيل الالتزامات العملياتية وآليات اتخاذ القرار العسكري غير معلنة على النحو الذي يسمح بمقارنته مباشرة بالناتو، لذا فأدق وصف له أنه إطار دفاعي ثلاثي ذي التزام سياسي قوي، سوف يتحول إلى شراكة عسكرية للردع.
هذا التفريق ليس شكلياً، ففي عالم السياسة، الفارق بين «النص» و»القدرة» هو الفارق بين الردع الحقيقي والردع الافتراضي، ومع ذلك، فإن الاتفاق اكتسب وزنه للردع من تركيبة الدول الثلاث نفسها. فالسعودية تمتلك المال والطاقة والموقع الجغرافي والقدرة على الاستثمار طويل الأجل في الدفاع، أما تركيا فتمتلك قاعدة صناعية دفاعية وخبرة عملياتية وتكنولوجية متقدمة، فضلاً عن عضويتها في الناتو، وباكستان ذات قوة عسكرية كبيرة وخبرة إستراتيجية وصاروخية، إضافة إلى كونها دولة نووية، وكلها عناصر ذات إطار سياسي واحد، تجعل المعادلة أكبر من مجموع أجزائها.
قوة المال والتكنولوجيا والردع
يصل الإنفاق العسكري للدول الثلاث، وفق أرقام SIPRI لعام 2025، إلى نحو 125.1 مليار دولار. فتمتلك السعودية وفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» عن عام 2025، إنفاقًا عسكريًا بلغ 83.2 مليار دولار، لتحتل المملكة المرتبة الثامنة عالمياً في الإنفاق العسكري، أما الإنفاق العسكري التركي فيبلغ 30 مليار دولار، بزيادة 7.2 في المائة عن العام السابق، بينما بلغ الإنفاق الباكستاني 11.9 مليار دولار، بزيادة 11 في المائة..
وبذلك فالإنفاق السعودي يوفر قدرة تمويلية هائلة، بينما يضيف الاقتصاد التركي قاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، وتضيف باكستان خبرة عسكرية وردعية لا يمكن تجاهلها.
السعودية: من شراء القوة إلى بناء القوة
ربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في الحالة السعودية، فعلى مدى سنوات، كان النقاش حول الأمن السعودي يدور كثيراً حول حجم المشتريات العسكرية ومصادر السلاح. لكن الاتجاه الذي تعكسه رؤية السعودية 2030 يتجاوز شراء المنظومات إلى بناء قاعدة دفاعية محلية، فتستهدف الهيئة العامة للصناعات العسكرية توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق السعودي على المعدات والخدمات العسكرية بحلول 2030، وهنا يمكن أن تصبح الشراكة مع تركيا ذات قيمة استثنائية، فالمملكة لا تحتاج فقط إلى منصات عسكرية جاهزة، وإنما تحتاج إلى معرفة وتصنيع وصيانة وتطوير ونقل تقنية وبناء سلاسل إمداد دفاعية، وإذا تحول التعاون الثلاثي إلى مشروعات صناعية حقيقية، فإن الاتفاق يمكن أن يضيف إلى كونه أداة ردع إلى كونه أداة لبناء استقلال إستراتيجي تدريجي.
إن تركيا الذراع الصناعية، كونها دولة عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه بنت خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية دفاعية جعلتها لاعباً مهماً في سوق السلاح العالمي، وهذا يمنحها وظيفة مختلفة داخل الدول الثلاث: التكنولوجيا والصناعة والقدرة على تحويل التمويل إلى منظومات قابلة للتطوير والإنتاج، بدليل أن تركيا لا تأتي إلى الاتفاق بحثاً عن مظلة دفاعية بديلة عن الناتو، بل تضيف شبكة شراكة جديدة إلى شبكة علاقاتها القائمة.
بينما باكستان، تدخل إلى الاتفاق من باب مختلف من معادلة الردع والخبرة ذات جيش كبير، وخبرة عسكرية ممتدة، وقدرات صاروخية، وردع نووي، كما أن العلاقة الدفاعية السعودية-الباكستانية ليست وليدة اتفاق مكة؛ فقد سبق أن وقّعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية دفاع إستراتيجية ثنائية في سبتمبر 2025، وهذه نقطة مهمة للغاية، فالتحالفات الناجحة لا تُبنى في يوم توقيعها؛ بل تُبنى على تراكم الثقة والاتفاقات والتدريبات والمؤسسات.
لماذا الآن؟
لأن البيئة الأمنية تغيرت، في عام 2026 مع التوترات الإقليمية، ففي مارس 2026، اجتمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى في الرياض لمناقشة اعتداءات إيرانية طالت دولاً في المنطقة، بما فيها منشآت وبنى تحتية مدنية، وهنا يصبح التعاون بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد أكثر من مجرد خيار دبلوماسي، لنكون محاولة لتقليل مساحة المفاجأة.
من هنا فإن المرحلة المقبلة بعد التوقيع، سوف تمنح الجغرافيا الاتفاق بعداً استثنائياً مرتبطاً مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي، ومجالاً للتعاون في حماية خطوط التجارة والطاقة ومكافحة القرصنة والإرهاب وتأمين الممرات البحرية، فالسعودية تقف على البحر الأحمر والخليج العربي، وتركيا تطل على شرق المتوسط والبحر الأسود، وتمتلك موقعاً يربط آسيا بأوروبا، أما باكستان فتطل على بحر العرب والمحيط الهندي. وبالتالي فإن الاتفاق، إذا تطور إلى تعاون بحري، يمكن أن يشكل شبكة إستراتيجية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط ثم إلى المحيط الهندي.
إذا نجحت قيادة الرياض مع تركيا وباكستان في تحويل الاتفاق إلى قدرات وهي قادرة على ذلك، فقد يصبح «اتفاق مكة» نموذجاً جديداً للتحالفات المرنة في عالم تتراجع فيه فكرة الاعتماد الكامل على قوة واحدة.
وقفة: في النهاية، تبقى قاعدة صن تزو أكثر حضوراً من أي وقت مضى: القوة الحقيقية ليست في أن تخوض الحرب، وإنما في أن تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل التفكير في إشعالها.