د. ياسين علي محمد عزي
لم تتغير خريطة السعودية، لكن مقدار ما تعنيه هذه الخريطة في حسابات العالم تغيّر كثيرًا. فالموقع الذي يصل آسيا بأفريقيا وأوروبا هو ذاته، والبحر الأحمر والخليج العربي لم يتبدلا، ومكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان العالم الإسلامي حقيقة راسخة؛ غير أن ما استطاعت المملكة أن تبنيه حول هذه المقومات اتسع سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ومن مشروعات الربط والخدمات اللوجستية إلى الشراكات الدولية، ومن قيادة العمل المشترك لحماية الممرات البحرية إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، يتبلور نهج سعودي، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، لا يكتفي بأهمية الموقع، بل يعظّم ما يستطيع هذا الموقع أن يؤديه من دور وما يجمعه حوله من مصالح.
في هذا السياق تكتسب عبارة «هندسة الجيوبولوتيكا» أهميتها؛ وهي العبارة التي استخدمها عبد الله الذيابي في صحيفة عكاظ وهو يقرأ اتفاقية مكة. فقد اختار للمشهد وصفًا يتجاوز حدود الاتفاق الدفاعي إلى أثره في مكانة الدول الثلاث وعلاقاتها. غير أن كلمة «الهندسة» نفسها تستحق التوقف؛ فهي تحمل في دلالتها معنى القصد والترتيب وبناء العلاقة بين العناصر وصولًا إلى بناء أكثر إحكامًا. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: الجغرافيا من أكثر حقائق الدول ثباتًا، أما مكانة الدول فليست كذلك. فإذا كان المكان ثابتًا في أصله، فما الذي يقع عليه فعل «الهندسة»؟ أهو المكان ذاته، أم المصالح والقدرات والعلاقات التي تمنحه قيمة تتجاوز حدوده؟ لعل الإجابة تبدأ من التمييز بين الجغرافيا بوصفها معطى ثابتًا نسبيًا، والجيوبولوتيكا بوصفها القيمة التي يكتسبها ذلك المعطى حين يدخل في شبكة القوة والمصالح والعلاقات. فالدولة لا تختار البحر الذي تطل عليه، ولا المضيق الذي يجاورها، ولا موقعها بين الأقاليم والقارات، لكنها تستطيع أن تغيّر مقدار ما يعنيه هذا الموقع في حسابات الآخرين. ثبات المكان لا يعني ثبات قيمته؛ فقد تتسع وظائفه، وتتعدد المصالح المرتبطة به، حتى تصبح ميزة جغرافية داخل حدود دولة جزءًا من حسابات دول ومجتمعات بعيدة عنها.
بهذا يصبح معنى «الهندسة» أدق: الجغرافيا تمنح الموقع، أما الفعل الجيوبولوتيكي فيتجلى في تعظيم قيمة هذا الموقع، وتنظيم ما يتصل به من مصالح وعلاقات وقدرات بما يوسع أثره.
وقد ظلت العلاقة بين المكان والقوة في صميم التفكير الجيوبولوتيكي منذ نشأته؛ فمن ماكيندر ونظرية قلب العالم، إلى ماهان ومركزية القوة البحرية، ثم سبيكمان الذي شدد على ديمومة أثر الجغرافيا في السياسة الخارجية، بقيت الأرض والممرات والبحار والموارد عناصر أساسية في تفسير قوة الدول وسلوكها. وفي بعض مراحل هذا التفكير اقترب أثر المكان من الحتمية؛ إذ ترسم مساحة الدولة وموقعها وجوارها ومنافذها ومواردها نطاقًا من الفرص والقيود يظل القرار السياسي متصلًا به.
ثم جاءت العولمة والتقنية وتسارع النقل والاتصال، فتصاعد الحديث عن «موت الجغرافيا»، وكأن تقارب العالم سيعني تراجع أثر المكان. غير أن تشابك التجارة والطاقة والإمدادات منح بعض الممرات والموانئ أثرًا يتجاوز موضعها المباشر؛ فقد يضطرب مضيق فتتأثر سلاسل إمداد تعبر القارات، وقد يتعطل ميناء فتصل آثاره إلى مصنع يبعد عنه آلاف الكيلومترات. ومن هنا تكتسب فكرة روبرت كابلان في «انتقام الجغرافيا» معناها؛ فالتقنية اختصرت المسافات، لكنها لم تنتزع من المكان قدرته على التأثير.
الاعتراف بأثر الجغرافيا لا يعني التسليم بحتميتها؛ فالأرض تمنح الفرص والقيود معًا، لكنها لا تقرر وحدها مقدار ما يتحول من الممكن إلى واقع. فالميناء لا يولد من الساحل وحده، والممر اللوجستي لا تصنعه المسافة، والصناعة لا تنشأ من المورد، كما أن الاستثمار والشراكة يحتاجان إلى ما يتجاوز الميزة الجغرافية ذاتها. هنا يتجلى دور الدولة في قراءة معطيات المكان، ثم تسخير القرار والمؤسسة والمعرفة لتحويل الإمكان الجغرافي إلى قيمة قابلة للنمو والامتداد.
تقدم التجربة السعودية، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، برهانًا عمليًا على أن طبيعة المكان لا تكتب وحدها مستقبل الدولة. فالمملكة لم تُمنح أنهارًا دائمة، ومع ذلك مضت مدنها واقتصادها في النمو من غير أن يكون ذلك مرهونًا بتبدل طبيعة بيئتها؛ إذ تطورت قدرة الإنسان والمؤسسة على إدارة واقع الندرة وبناء الحلول الملائمة له. فمن التحلية إلى شبكات النقل والتخزين والمعالجة وإعادة الاستخدام، ومن البحث إلى التقنية والابتكار، بقيت محدودية المورد من خصائص البيئة، فيما أصبحت المعرفة والكفاءة المؤسسية والقدرة الوطنية عناصر أصيلة في إدارة الماء واستدامته.
لم يكن التحول انتقالًا من الندرة إلى الوفرة، وإنما تطورًا في إدارة الماء وبناء القدرة حوله؛ من التعامل مع الطلب القائم إلى منظومة تنظر إلى دورة المورد كاملة، وتجمع بين الإمداد والكفاءة والاستدامة والتقنية. لم تتغير الجغرافيا، لكن ما تستطيع الدولة أن تبنيه داخل معطياتها اتسع، فتحول تحدي الندرة إلى مجال لنمو المعرفة والمؤسسة والقدرة الوطنية.
هذا المعنى يتجاوز الماء إلى فلسفة أرحب في التعامل مع المكان. فما فعلته السعودية مع موردها المائي في الداخل يمكن قراءته، على مستوى مختلف، في علاقتها بموقعها في الخارج: لا تغيّر الدولة جغرافيتها، وإنما تغيّر مقدار القيمة التي تستطيع أن تصنعها منها. ولهذا لا تكفي العبارة المألوفة بأن المملكة تتمتع بـ«موقع إستراتيجي»؛ فهي تصف ما منحها إياه المكان، لكنها لا تفسر ما أضافته الدولة إلى قيمة هذا المكان وأثره.
لم تمنح رؤية المملكة 2030 السعودية موقعًا جديدًا على الخريطة؛ فالمملكة كانت قبل الرؤية تتوسط فضاءً يصل آسيا بأفريقيا وأوروبا، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وتحمل ثقل مكة المكرمة والمدينة المنورة بما تمثلانه من مكانة إسلامية فريدة، إلى جانب ما تملكه من موارد ومزايا وطنية راسخة. لكن ما يستحق القراءة هو الفرق بين امتلاك الموقع وتعظيم أثره. فالموقع يتصل اليوم بمشروعات الربط والخدمات اللوجستية، والطاقة بالصناعة والاستثمار، والسوق بدوائر أوسع من التجارة ورأس المال. بهذا المعنى تبدو الرؤية مشروعًا لتعظيم ما تستطيع المملكة أن تنتجه من مزاياها، لا مجرد وصف لما تملكه منها.
يمنح البحر الأحمر الفكرة بعدًا أكثر وضوحًا؛ فأهميته لا تقاس بطول السواحل المطلة عليه وحدها، بل بما يعبره من تجارة وطاقة وسلاسل إمداد، فضلًا عن حجم المصالح المرتبطة بأمن الملاحة فيه. ولهذا قد يمتد أثر حدث يقع في نطاق جغرافي محدود إلى موانئ ومجتمعات تفصلها عنه آلاف الكيلومترات. كلما ازداد العالم اتصالًا، لم تتراجع أهمية المكان، بل اتسعت دائرة المصالح المرتبطة باستقراره.
من هذه الزاوية يكتسب التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة معنى يتجاوز حماية ممر حيوي. فالمبادرة السعودية، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، تنطلق من إدراك أن أمن البحر الأحمر وباب المندب يتصل بمصالح دول تعتمد تجارتها وإمداداتها على استمرار الملاحة الآمنة فيهما. وهكذا تقترن أهمية الموقع السعودي بقدرة المملكة على جمع مصالح وطنية ودولية حول استقرار تمتد منافعه إلى ما وراء الدول المطلة على البحر.
تبرز خصوصية هذا النهج في طبيعة القيادة السعودية للعمل المشترك؛ فهي تجمع المصالح المتقاطعة ضمن صيغة تحفظ لكل دولة قرارها وسيادتها، فيما تمنح التعاون فاعلية أكبر. هنا تتجلى سمة مهمة في السياسة السعودية المعاصرة: تحويل الثقل الوطني إلى قدرة على جمع المصالح وبناء أرضية مشتركة بينها. فالموقع الحيوي لا يبقى ميزة في وصف الدولة، بل يغدو موردًا تتسع قيمته بما يُبنى حوله من أدوار وعلاقات.
ويكتسب القرب، بهذا المعنى، دلالة لا تقيسها المسافة وحدها. فقد نجد دولة لا تطل على البحر الأحمر شديدة الارتباط بأمنه لأن جانبًا من تجارتها أو إمداداتها يمر عبره. قد تصنع المصلحة جوارًا لا ترسمه الحدود. وحين تضيف الدولة إلى موقعها الموانئ والطرق والاستثمارات والمؤسسات والشراكات، تنتقل الميزة الجغرافية من إمكان كامن إلى قيمة ترتبط بها مصالح تتجاوز الحدود الوطنية.
تمنح اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان الفكرة بُعدًا أكثر عمقًا. فلكل دولة من الدول الثلاث ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري، ولكل منها دوائر مصالحها وحركتها. غير أن قيمة الاتفاقية لا تقف عند اجتماع هذه الأوزان؛ إذ أعادت صياغة العلاقة بينها على أساس يصبح معه أمن كل دولة حاضرًا في الحساب الإستراتيجي للدولتين الأخريين. وهنا لا تتراكم القدرات فحسب، بل تتغير دلالتها حين تنتظم في التزام دفاعي مشترك؛ فما تملكه كل دولة منفردة يكتسب، داخل هذا الالتزام، أثرًا يتجاوز نطاقه الوطني.
وتزداد أهمية الاتفاقية حين تُقرأ في ضوء العمل السياسي الذي سبقها. فالسعودية وتركيا وباكستان لا تتطابق مصالحها ولا دوائر حركتها بشكل كامل، ومع ذلك نجحت السياسة التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، في بناء مساحة من الثقة والمصلحة أتاحت لهذه الأوزان المختلفة أن تلتقي داخل التزام مشترك، مع بقاء القرار السيادي لكل دولة محفوظًا. وما جرى في قصر الصفا لم يكن بداية الحكاية، بل ثمرة علاقات وثقة وعمل سياسي تراكم حتى بلغ هذا المستوى من الالتزام الدفاعي.
الخريطة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لم تتغير، لكن ما تعنيه العلاقة بينها سياسيًا وأمنيًا اتسع. بقيت المسافات كما هي، فيما أصبحت المصالح والالتزامات أكثر اتصالًا. هنا تعود «هندسة الجيوبولوتيكا» إلى معناها الأعمق؛ فالهندسة ليست إعادة رسم المكان، بل تنظيم العلاقات والقدرات والمصالح على نحو يمنح ما هو قائم أثرًا أبعد.
وتظهر نوعية هذا العمل في الفرق بين امتلاك القوة وبناء الردع. فالقدرات الوطنية لا تكتسب معناها الأوسع بمجرد اجتماعها، وإنما حين تنتظم داخل التزام سياسي تسنده الجاهزية والتنظيم والقدرة على التنفيذ. عندها يصبح أثرها حاضرًا في حسابات الطرف الآخر قبل الحاجة إلى استخدامها.
الردع لا تصنعه صياغة الالتزام وحدها، وإنما ما يقف وراءها من قدرة تمنحها صدقيتها. ومن هنا تكتسب العبارة التي تجعل الهجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا دلالتها الأعمق؛ فالاعتداء قد يقع داخل حدود دولة واحدة، لكنه، بموجب الاتفاقية، يمس أمن الدول الثلاث. لم تتغير الحدود، وإنما تغير ما يعنيه المساس بها.
يجتمع التحالف البحري واتفاقية مكة عند معنى واحد، وإن اختلف مجال كل منهما: فالموقع الحيوي يكتسب وزنًا أكبر حين تتقاطع عنده مصالح متعددة، وتكتسب تلك المصالح قوة إضافية حين تسندها الثقة والقدرة والقرار السياسي. عند هذه النقطة لا تعود الجغرافيا مجرد مكان تمر به المصالح، بل تصبح جزءًا من العلاقة التي تجمعها وتحميها.
لا تستمد الشراكات الراسخة قوتها من تطابق أطرافها، بل من قدرتها على بناء المشترك مع بقاء خصوصية كل طرف. فلكل من السعودية وتركيا وباكستان مصالحها ودوائر حركتها، غير أن قيمة العمل السياسي تظهر حين تتحول مساحة الالتقاء بينها إلى تعاون يحفظ القرار الوطني ويضيف إلى المصلحة المشتركة. بهذا تتجاوز الدبلوماسية إدارة الاختلاف إلى توسيع الممكن الذي يستطيع المختلفون بناءه معًا.
ويتسع عند هذه النقطة معنى النفوذ نفسه. فليس النفوذ في أكثر صوره رسوخًا أن يحتاج الآخر إلى قوتك فحسب، بل أن تصبح سلامة مصالحه أكثر اتصالًا باستقرارك. عندها لا يعود الموقع مهمًا لأنه يقع على طريق العالم فقط، بل لأن ما يحدث فيه يدخل في حسابات أطراف بعيدة عنه أيضًا. فقيمة الموقع ليست في أن يمر العالم بالقرب منك، بل في أن يصبح لاستقراره حضور في حسابات العالم.ويبرز تميز الخطاب السعودي في أنه لا يجعل هوية خصم بعينه نقطة البدء، بل يتجه إلى ما يراد صونه: أمن الملاحة، واستمرار التجارة والطاقة، والمصالح المتصلة باستقرار المنطقة. بذلك يتقدم سؤال المصلحة على سؤال الخصومة: ما الذي نحميه، ومن يجد في حمايته مصلحة مشتركة معنا؟ هنا يأخذ الردع مكانه بوصفه قوة تصون السلام وتمنح الاستقرار سندًا من القدرة.
السلام ليس مفهومًا مجردًا في لغة السياسة. فالممر البحري الآمن يعني تجارة تصل إلى وجهتها، وطاقة تستمر في التدفق، وغذاءً ودواءً يصلان إلى الناس، ومصانع تواصل إنتاجها، واستثمارات تبني قراراتها على بيئة مستقرة. عندها يظهر البعد الإنساني للجيوبولوتيكا؛ فالأمن الذي يُبنى حول البحر يمتد إلى الاقتصاد والتنمية وحياة الإنسان، وتصبح قوة الدولة جزءًا من البيئة التي تمنح المجتمع مساحة أرحب للعمل والاستثمار وبناء المستقبل.بهذا يلتقي الداخل بالخارج في فلسفة واحدة مع بقاء اختلاف المجالين واضحًا. فإدارة الماء شأن تنموي، وبناء المكانة الجيوبولوتيكية شأن سياسي وإستراتيجي؛ غير أن كليهما يعبر عن قدرة الدولة على تعظيم ما يمنحه المكان. لهذا تقع رؤية المملكة 2030 في قلب الفكرة: الموقع بين القارات تتضاعف قيمته باللوجستيات والاستثمار، والامتداد البحري يكتسب أبعادًا جديدة بالموانئ والصناعة والتجارة، فيما يتحول الثقل السياسي والاقتصادي إلى قدرة على بناء الشراكات وتعزيز الاستقرار. الرؤية، بهذا المعنى، ليست إحصاءً لما تملكه المملكة، بل مشروعًا لتعظيم ما تستطيع أن تصنعه بما تملكه.
وهنا يظهر الفارق بين أن تملك الدولة جغرافيا، وأن تملك مشروعًا لجغرافيتها. فالبحر تتسع قيمته بالموانئ والصناعة والتجارة، والموقع بين القارات يزداد أثره حين يدخل في شبكات النقل والاستثمار، والثروة تتضاعف قيمتها حين تجد طريقها إلى سلاسل الإنتاج. وبين المعطى الجغرافي وما يصبح عليه تقف قيادة تصوغ الرؤية، ومؤسسة تبني القدرة، ومعرفة توسع الممكن.
عند هذه النقطة تعود عبارة عبد الله الذيابي «هندسة الجيوبولوتيكا» إلى السؤال الذي بدأ منه المقال: إذا كانت الجغرافيا ثابتة، فما الذي يُعاد تشكيله فعلًا؟
البحر الأحمر بقي في مكانه، لكن المصالح المرتبطة بأمنه اتسعت. والمسافة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد لم تتبدل، لكن اتفاقية مكة أضافت إلى العلاقة بينها التزامًا دفاعيًا مشتركًا. وموقع المملكة بين القارات ظل كما هو، بينما اتسعت الوظائف الاقتصادية واللوجستية والاستثمارية المرتبطة به. ما تغير إذن ليس الخريطة، بل مقدار القيمة التي تستطيع الدولة أن تضيفها إلى ما منحتها الجغرافيا.
وتمنح المبادرات التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، هذا المعنى صورته السياسية الأوضح. فالتحالف البحري واتفاقية مكة لا يستمدان دلالتهما من الموقع السعودي وحده، وإنما من قدرة المملكة على جعل ثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها موضع التقاء لمصالح متعددة، ثم ترجمة هذا الالتقاء إلى شراكة والتزام يعززان الأمن والاستقرار. تلك قيمة لا تمنحها الخريطة بمفردها؛ إنها ثمرة قيادة تعظم أثر الموقع وتوسع ما يستطيع أن يؤديه.
وبذلك تصبح «هندسة الجيوبولوتيكا» أوسع من الحدث الذي استدعى العبارة؛ فالهندسة ليست تغييرًا في الجغرافيا، وإنما في مقدار القيمة التي تضيفها الدولة إليها، وفي اتساع حضورها في مصالح الآخرين وعلاقاتهم بها.
الجغرافيا تكتب السطر الأول في حكاية الدول، أما ما بعده فتكتبه القيادة. وفي السعودية اليوم، بقي المكان في موضعه، لكن أثره اتسع بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله؛ فتحول الموقع إلى دور، والدور إلى شراكة، والشراكة إلى استقرار. هنا تكمن «هندسة الجيوبولوتيكا»: أن تبقى الخريطة كما هي، فيما تتسع مكانة المملكة بقدر ما تتسع حولها دوائر المصالح والشراكات والتأثير.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي