د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأمم، تظهر مدنٌ ليست كغيرها؛ مدنٌ تحمل في جغرافيتها معنى، وفي ذاكرتها رسالة، وفي مكانتها رمزية تتجاوز حدود الزمن. ومكة المكرمة، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ليست مجرد مدينة، بل هي رمزٌ للوحدة والتآخي، ومكانٌ تستحضر فيه الشعوب معاني السلم والتضامن والوفاء بالعهود.
ومن هذه البقعة المباركة، جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لتشكل خطوة مهمة في تعزيز التعاون الدفاعي، وترسيخ مبدأ الشراكة في حماية الأمن والاستقرار، في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات متزايدة تستدعي قدرًا أكبر من التنسيق والتعاون بين الدول ذات الثقل الإقليمي.
ولا تكمن أهمية الاتفاقية في بعدها الدفاعي وحده، وإنما في دلالتها الأوسع؛ إذ تؤكد أن بناء الشراكات القوية يمكن أن يكون وسيلة لحماية الاستقرار، وأن الردع لا يعني بالضرورة الذهاب إلى التصعيد، بل قد يكون وسيلة لمنع الصراع وحماية أمن الشعوب ومكتسباتها.
ومن هنا، فإن اتفاقية مكة تستحق أن تُقرأ من زاويتين متكاملتين: رمزية المكان الذي احتضن توقيعها، وقوة الشراكة الساعية إلى تعزيز الأمن والاستقرار.
وجاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في توقيت تتزايد فيه التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، لتؤكد أهمية التعاون والتنسيق بين الدول ذات الثقل الإقليمي، وتعزيز قدرتها على حماية أمنها ومصالحها المشتركة.
وتقوم الاتفاقية، بحسب ما أُعلن عنها، على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُنظر إلى أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث بوصفه اعتداءً عليها جميعًا. وهذا المبدأ يمنح الاتفاقية مضمونًا دفاعيًا واضحًا، ويجعل جوهرها قائمًا على التضامن في مواجهة الاعتداء، وتعزيز القدرة على الردع، وحماية أمن الدول الأطراف.
وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية من اجتماع ثلاث دول تتمتع بثقل سياسي وعسكري وموقع جغرافي مؤثر؛ فالمملكة العربية السعودية تمثل ثقلًا عربيًا وإسلاميًا ودوليًا بارزًا، وتركيا تمتلك حضورًا إقليميًا ودوليًا واسعًا، فيما تتمتع باكستان بقدرات عسكرية واستراتيجية كبيرة. ومن ثم فإن جمع هذه القدرات في إطار تعاون دفاعي مشترك يفتح مجالًا أوسع للتنسيق وتبادل الخبرات وتعزيز الجاهزية.
غير أن أهمية الاتفاقية لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية القوة العسكرية وحدها؛ فمن منظور الأمن الإقليمي، لا تُقاس قيمة الشراكات الدفاعية بقدراتها العسكرية فحسب، وإنما بقدرتها على الردع، ومنع الاعتداء، وتعزيز الاستقرار.
وهنا تبرز قيمة التوقيت والمضمون معًا؛ فحين تتعرض المنطقة لتحديات أمنية متلاحقة، يصبح التعاون بين الدول القادرة على الإسهام في حماية الاستقرار أكثر أهمية، شريطة أن يبقى هذا التعاون قائمًا على الدفاع، واحترام السيادة، وتجنب تحويل القوة إلى أداة لتوسيع الصراع.
رمزية مكة المكرمة... المكان الذي يضيف إلى الاتفاقية بُعدًا معنويًا
لا يمكن فصل اتفاقية مكة للدفاع المشترك عن المكان الذي احتضن توقيعها؛ فمكة المكرمة ليست مكانًا جغرافيًا عاديًا، وإنما هي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وموضع تتجسد فيه معاني الوحدة والتآخي والتضامن.
ومن هذه الزاوية، يكتسب توقيع الاتفاقية في مكة دلالة معنوية خاصة؛ إذ تجتمع في المكان قدسية الموقع، ورمزية الوحدة، ومعنى التعاون بين دول تجمعها روابط إسلامية ومصالح مشتركة. وهذه الرمزية لا تحل محل المضمون السياسي والدفاعي للاتفاقية، لكنها تضيف إلى المناسبة بعدًا إنسانيًا وأخويًا يجعلها أكثر حضورًا في الوجدان.
كما أن اختيار مكة المكرمة لاحتضان هذا الحدث يمنح الرسالة العامة للاتفاقية بعدًا يتجاوز الحسابات الأمنية المباشرة؛ فالأمن في جوهره ليس غاية عسكرية مجردة، وإنما هو شرط لحماية الإنسان، وصيانة المجتمعات، وتمكين الدول من مواصلة البناء والتنمية بعيدًا عن مخاطر النزاعات والاضطرابات.
ولعل أجمل ما يمكن أن ترمز إليه اتفاقية تُوقّع في مكة أن القوة حين تقترن بالحكمة تصبح وسيلة لحماية السلام، وأن التعاون حين يقوم على الثقة والاحترام المتبادل يمكن أن يكون سبيلًا إلى الاستقرار لا إلى التصعيد.
وبذلك، فإن مكة في هذه المناسبة لا تظهر بوصفها مكانًا للتوقيع فحسب، بل بوصفها رمزًا لمعنى أوسع... أن اجتماع الكلمة، وتكامل القدرات، وتغليب الحكمة، يمكن أن يفتح الطريق أمام أمن أكثر رسوخًا واستقرار ٍأكثر استدامة.
وتأتي المملكة العربية السعودية في قلب هذه الاتفاقية، لا باعتبارها طرفًا فيها فحسب، وإنما بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وأمني، ومكانة عربية وإسلامية ودولية تؤهلها للإسهام في بناء الشراكات التي تعزز أمن المنطقة واستقرارها.
وقد عكست المملكة خلال السنوات الماضية توجهًا واضحًا نحو تنويع شراكاتها وتعزيز قدراتها الدفاعية، انطلاقًا من رؤية تقوم على حماية أمنها الوطني، وصيانة مصالحها، والإسهام في استقرار محيطها الإقليمي. ومن هذا المنظور تأتي اتفاقية مكة بوصفها امتدادًا لمنهج يقوم على التعاون وبناء الشراكات وتعزيز القدرة على الردع.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة من اجتماع المملكة مع تركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك؛ فهذه الشراكة تجمع بين إمكانات وخبرات متعددة، وتوفر مجالًا أوسع للتنسيق والتعاون، بما يعزز قدرة الدول الثلاث على التعامل مع التحديات الأمنية التي قد تواجهها.
غير أن القوة الحقيقية في مثل هذه الشراكات لا تُقاس بحجم القدرات العسكرية وحدها، وإنما بحكمة توظيفها. فالردع الذي يحمي الاستقرار هو الذي يجعل الاعتداء خيارًا أقل جاذبية، ويعزز فرص السلام بدلًا من أن يفتح أبواب المواجهة.
وعليه يمكن قراءة الدور السعودي في الاتفاقية باعتباره دورًا يجمع بين قوة الدولة وحكمة القيادة ، ويأتي هذا التوجه في إطار السعي إلى بناء بيئة إقليمية أكثر أمنًا واستقرارًا، تستطيع فيها الدول وشعوبها مواصلة مسارات التنمية والبناء.
وإذا نجحت الاتفاقية في تحويل ما تضمنته من تعاون دفاعي إلى تنسيق مستمر، وتبادل للخبرات، ورفع لمستوى الجاهزية، وتعزيز للثقة بين الأطراف، فإن أثرها لن يتوقف عند حدود الدفاع المشترك، بل يمكن أن يمتد إلى دعم الاستقرار الإقليمي وحماية مكتسبات التنمية.
الردع لا يعني التصعيد... قوة تمنع الحرب ولا تشعلها: فالردع الناجح ليس الذي يفتح أبواب الحرب، وإنما الذي يجعل التفكير في الحرب أقل إغراءً
قد يُفهم الردع أحيانًا بوصفه استعدادًا للمواجهة، غير أن جوهره في العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا؛ فالقوة الدفاعية حين تُبنى على الشراكة والجاهزية والثقة، قد تكون وسيلة لتقليل احتمالات الصراع، لا لزيادتها.
وفي هذا الإطار، فإن أهمية اتفاقية مكة لا تكمن في ما تضيفه إلى القدرات الدفاعية للدول الثلاث فحسب، وإنما في ما يمكن أن تحققه من رفع تكلفة الاعتداء، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتقليل دوافع اللجوء إلى القوة، بما يجعل الحوار والدبلوماسية أكثر حضورًا في معالجة الأزمات.
وهذا هو الفارق بين القوة التي تبحث عن الصراع، والقوة التي تسعى إلى منعه؛ فالأولى توسع دائرة التوتر، أما الثانية فتعمل على حماية الأمن، وصيانة السيادة، وتهيئة الظروف التي تسمح للدول بمواصلة البناء والتنمية.
وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى الاتفاقية بوصفها شراكة دفاعية هدفها الأسمى حماية الاستقرار، فحين تكون الدول أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وأكثر تعاونًا في مواجهة التهديدات، يصبح المجال أوسع للدبلوماسية والحوار، وتصبح التنمية أقل عرضة للانتكاس بسبب الأزمات الأمنية.
لا تنفصل أهمية الأمن عن حياة الشعوب ومسارات التنمية؛ فاستقرار الدول هو البيئة التي تسمح للاقتصاد بالنمو، وللمشروعات التنموية بالاستمرار، وللمجتمعات بأن تنصرف إلى البناء بدلًا من الانشغال بمخاطر الصراع والاضطراب.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بوصفها خطوة تتجاوز التنسيق الدفاعي المباشر إلى تعزيز البيئة الأمنية التي تحمي مسارات التنمية والاستقرار.
فكلما ارتفعت قدرة الدول على التعاون في مواجهة التهديدات، ازدادت قدرتها على حماية مصالحها ومكتسباتها، وتهيأت ظروف أكثر ملاءمة لاستمرار البناء والتقدم.
كما أن التعاون بين المملكة وتركيا وباكستان لا يقتصر أثره المحتمل على الجانب العسكري، بل يمكن أن يفتح مجالات أوسع لتبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق، وبناء الثقة، وتطوير القدرة على التعامل المشترك مع التحديات التي قد تؤثر في أمن المنطقة واستقرارها.
والأمن في نهاية المطاف ليس غاية منفصلة عن حياة الإنسان؛ فهو الذي يحمي المدن، ويصون المنشآت، ويؤمّن طرق التجارة، ويهيئ البيئة المناسبة للتعليم والاستثمار والتنمية. ولذلك فإن أي شراكة دفاعية ناجحة ينبغي أن تُقاس آثارها الأبعد بمدى إسهامها في حماية الإنسان ومكتسبات الدول، وتقليل فرص النزاع، ودعم الاستقرار.
وبهذا المعنى، يمكن أن يتجاوز الأثر المنشود لاتفاقية مكة حدود بنودها الدفاعية، إذا تحولت إلى تعاون مؤسسي مستمر يعزز الأمن والثقة، ويمنح الدول الثلاث مساحة أكبر للعمل المشترك في خدمة مصالح شعوبها واستقرار المنطقة.
وتظل قيمة الاتفاقيات الدفاعية مرتبطة بما تنتجه من واقع عملي بعد توقيعها؛ فالتوقيع يمثل بداية الطريق، بينما يكشف التطبيق مدى قدرة الأطراف على تحويل المبادئ المتفق عليها إلى تعاون مستمر وفعّال.
وفي ضوء ذلك فإن الأثر الحقيقي لاتفاقية مكة سيظهر في مستوى التنسيق بين الدول الثلاث، وتبادل الخبرات، وتطوير آليات التعاون الدفاعي، ورفع الجاهزية، وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المشتركة.
كما أن استدامة الاتفاقية وفاعليتها ستعتمدان على قدرتها على بناء الثقة بين الأطراف، وتحويل التعاون من إطار الاتفاق إلى ممارسة مؤسسية متواصلة، مع إبقاء الهدف الأساسي واضحًا: حماية الأمن، وتعزيز الاستقرار، ومنع الاعتداء، دون الانجرار إلى توسيع دوائر الصراع.
وإذا استطاعت الاتفاقية أن تحقق ذلك، فإنها ستكون قد تجاوزت قيمة اللحظة التي وُقّعت فيها إلى أثر أكثر استدامة؛ إذ تتحول الشراكة الدفاعية إلى عنصر من عناصر الاستقرار الإقليمي، وتصبح قوة التعاون وسيلة لحماية مصالح الدول وشعوبها، ودعم مسارات التنمية والبناء.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ليس على حجم الاتفاقية في لحظة إعلانها، وإنما على ما ستصنعه من تعاون وثقة واستقرار في السنوات المقبلة؛ فهناك تُقاس الاتفاقيات الكبرى بآثارها، لا بمجرد توقيعاتها.
إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست مجرد وثيقة أمنية تُضاف إلى سجل الاتفاقيات الإقليمية، وإنما هي تعبير عن أهمية الشراكة في مواجهة التحديات، وعن قدرة الدول حين تتكامل إمكاناتها على تعزيز أمنها وحماية استقرارها.
وتزداد دلالة الاتفاقية باحتضان مكة المكرمة لتوقيعها؛ فالمكان الذي يجتمع فيه المسلمون على اختلاف بلدانهم وأعراقهم يحمل في وجدانهم معنى الوحدة والتآخي، وهو ما يمنح هذه المناسبة بُعدًا معنويًا يتجاوز مضمونها الدفاعي المباشر.
ويبقى نجاح الاتفاقية مرهونًا بما ستنتجه في الواقع من تعاون وتنسيق وثقة، وبقدرتها على تحويل مبدأ الدفاع المشترك إلى ممارسة مؤسسية تسهم في حماية الأمن، وردع الاعتداء، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا لمواصلة التنمية والبناء.
وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بما تمتلكه من مكانة وثقل وقدرة على بناء الشراكات، لتؤكد أن القوة حين تقترن بالحكمة يمكن أن تكون وسيلة لحماية السلام، وأن الردع حين يُبنى على التعاون لا يعني صناعة الصراع، وإنما العمل على منعه.
فالقوة التي تحمي السلام أقوى من القوة التي تستدعي الحرب، والتحالف الذي يصون الاستقرار أعمق أثرًا من تحالف يُبنى على مواجهة الآخرين.
ومن مكة المكرمة، يبقى الأمل أن تكون هذه الاتفاقية خطوة نحو أمنٍ أكثر رسوخًا، وتعاونٍ أكثر تكاملًا، واستقرارٍ تستفيد منه شعوب الدول الثلاث والمنطقة بأسرها.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها أمنها واستقرارها ورخاءها، وأن يجعل هذه الاتفاقية وما يتصل بها من تعاون سببًا في حفظ الأمن، وصيانة المصالح، ودعم السلام والاستقرار في المنطقة.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً