محمد البهيدل
على عتبات موسم رياضي جديد يفترض أن ينبض بالتنظيم والاحترافية والترقب الصحي للمنافسة، يجد المتابع للوسط الرياضي السعودي نفسه غارقاً في بحر متلاطم من الضبابية والعشوائية.
فبين ليلة وضحاها، تطل علينا أندية تتسابق لإبرام صفقات فلكية وعقود احترافية باهظة، وأخرى تقف مكتوفة الأيدي تحت طائلة «الرقابة المالية المشددة» التي تفاجئ الشارع الرياضي بأرقام ديون فلكية « تكاد تنطّ « من صفحات الميزانيات، فيما ترفع تلك الرقابة فجأة عن أندية أخرى بلا مبررات شفافة معلنة؛ لتتحول الساحة إلى حلبة يومية من التراشقات الجماهيرية والإعلامية التي تغذيها غريزة التعصب وتغذّيها في الوقت ذاته «بيئة المعلومات الشحيحة».
الفراغ الإداري.. رأس الهرم الغائب
لا يمكن لأي مراقب منصف أن يفصل هذا المشهد المأزوم عن حالة «الفراغ الإداري» التي يعيشها اتحاد كرة القدم؛ فالاستقالة التي تقدم بها الأستاذ ياسر المسحل وتبعتها مخاضات الترتيب للانتخابات الدورية للدورة السادسة، تركت خلفها مظلة رقابية وتوجيهية تبدو وكأنها تعمل في وضع «الطي الآلي».
وحين يغيب رأس الهرم الإداري الفاعل، وتنشغل منظومة الاتحاد بترتيب الأوراق الانتخابية وكسب أصوات الجمعيات العمومية، فإن الرقابة الفعلية والصرامة التنظيمية تفقدان أثرهما.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على اتحاد اللعبة فحسب، بل امتدت لتضرب في عمق أندية معيشية تسير بلا مجالس إدارة ولا رؤساء منتخبين، ومع ذلك، تملك قدرة عجيبة على توقيع عقود رعاية بمليونيات ضخمة، أو إبرام صفقات لاعبين تثير الكثير من علامات الاستفهام.
كيف لأندية تعاني من شغور إداري أن توقع التزامات مالية طويلة الأجل؟ ومن يراقب التوقيعات؟.
وأين تذهب مبادئ «الاستدامة المالية» حين تتداخل الصلاحيات التنفيذية بالاجتهادات الفردية للمسيّرين المؤقتين؟.
أزمة الحوكمة.. حبر على ورق أم معيار معطل؟
لقد استبشرنا خياراً استراتيجياً عندما أُقرت معايير الحوكمة المالية والإدارية للأندية الرياضية، وكان الهدف الأسمى هو النزول بالفرق إلى أرض الواقع الشفاف، لتكون الديون مكشوفة، والتعاقدات محكومة بسقوف مالية واضحة ومدروسة. بيد أن ما يحدث اليوم على أرض الواقع يكشف عن بون شاسع بين النصوص المقننة والممارسات الفعلية.
حين تغيب الشفافية، وتغيب معها لغة المصارحة الرسمية من الجهات المختصة في توضيح معايير وضع هذا النادي تحت الحجر المالي، ورفع الحظر عن ذاك، فإن الباب يفتح على مصراعيه للاجتهادات الصحفية الموجهة، والشائعات التي تبثها منصات التواصل الاجتماعي، مما يقوض الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة لدعم القطاع الرياضي وتطويره وفق رؤية وطنية طموحة تسعى لأن تكون الرياضة السعودية في مصاف الصناعات الكبرى المستدامة.
التشخيص والعلاج: كيف نعيد بوصلة الاستقرار؟
إن ترك الأمور تسير وفق منطق «السياسة الرمادية» لن يخدم المنافسة بل سيفرغها من مضامينها العدالة والنزاهة.
ولتجاوز هذه المرحلة الحرجة، واقتلاع جذور الفوضى الإدارية والمالية، لابد من وقفة جادة ترتكز على الحلول التالية:
1. الشفافية المطلقة في المعايير المالية: يجب على الجهات التنظيمية والرقابية نشر التقارير الدقيقة التي بنيت عليها قرارات فرض الرقابة المالية أو رفعها عن أي نادي، لتكون الجماهير وإدارات الأندية على بينة من أمرها، وقطع دابر التأويلات والشائعات.
2. ضبط صلاحيات الأندية غير الإدارية: إخضاع أي نادٍ يسير بلا مجلس إدارة منتخب لرقابة مشددة مانعة لأي التزامات مالية تتجاوز تسيير الأعمال اليومية، ومنع إبرام صفقات كبرى أو عقود رعاية استراتيجية إلا بموافقة صريحة ومباشرة وموثقة من لجان الاختصاص التابعة للوزارة أو الاتحاد، لضمان عدم توريط الكيان بديون مستقبلية جديدة.
3. مأسسة العمل الانتخابي وسرعة الاستقرار: إنهاء مرحلة الفراغ الإداري في اتحاد كرة القدم عبر عملية انتخابية نزيهة، شفافة، وناجزة، تأتي بقيادة واعية تملك مشروعاً واقياً يعيد هيبة اللائحة ويحمي اللعبة من الاجتهادات الارتجالية.
4. تفعيل دور المتحدث الرسمي والإعلام المؤسسي: صمت الجهات الرياضية الرسمية إزاء ما يدور في الوسط الإعلامي يمنح الشائعة عمراً أطول؛ لذا بات لزاماً خلق نوافذ إعلامية رسمية تتواصل بشكل دوري وشفاف لشرح القرارات وتوضيح الحقائق للجماهير أولاً بأول.
إن الرياضة السعودية اليوم أكبر من أن تُدار بردود الأفعال، وأعظم من أن تُترك رهينة لعشوائية الصفقات وفوضى الديون. وإنقاذ الموسم قبل أن يشتد عوده يبدأ من إعلاء سيادة القانون، وتفعيل أدوات الحوكمة بلا استثناء، لتبقى المستطيلات الخضراء هي المساحة الوحيدة للصراع الشريف، بعيداً عن أروقة الديون وكواليس الإدارات الشاغرة.