د.صالح بن عبدالله بن حميد
الحمد لله الذي كتب على عباده سنّة الرحيل، وجعل الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأجرى على خلقه حكمته البالغة في تداول الأيام، وتعاقب الأجيال جيلاً بعد جيل، فقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (14) سورة يونس، وجعل سبحانه بقاء الإنسان فيما يقدمه من خير، وما يتركه من أثر، وما يورثه من علم نافع، وخُلق كريم، وعمل صالح، ليكون له لسان صدق في الآخرين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، دلنا على أن الإنسان حين ينقضي أجله، يبقى الطيب من ذكره، وأن الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن فقد الرجال الذين أمضوا أعمارهم في خدمة العلم، والتعليم، والوطن ليس فقد فردٍ فحسب، بل هو فقد مرحلة، وغياب صفحة من صفحات العطاء، وانطفاء صوتٍ كان له حضوره في ميادين البناء، والإصلاح. وإن من أصعب ما يمر على القلوب أن ترى أهل الفضل يرحلون واحدًا بعد آخر، ولكن عزاء المؤمنين أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الأعمال الصالحة لا تنقطع، وأن آثار المخلصين تظل ممتدة بعد انتقالهم إلى رحمة الله، وأن في الأمة رجالَها، وأهلَ الفضل والصلاح فيها من الذين تُعمر بهم الأوطان، وتصلح بهم المجتمعات، ويرتفع بهم البناء. فلله الحمد والمنة.
الموت حق وكل الناس ذائقه
والذكر للمرء إيمان وإحسان
****
وهذا سبيل العالمين جميعِهِم
فما الناس إلا راحل بعد راحل
إن الحديث عن الشخصيات المؤثرة ليس حديثًا عن أسماءٍ مجردة، ولا عن مناصبَ زائلة، وإنما هو حديث عن مسيرة، وعن قيمٍ تجسدت، وعن أثرٍ بقي في الناس.
فالشخصيات الكبيرة لا تُعرف بكثرة ما قالت، وإنما بعظيم ما صنعت، ولا بطول السنين، وإنما بما تركته من أثر في المؤسسات، وفي الناس، وفي مسيرة العمل.
وهكذا تبقى حياة الرجال العظماء ممتدة بعد رحيلهم؛ بما تركوه في العقول والقلوب والمجتمع.
يقال ذلك ونحن نودع رجلًا من رجال العلم، والإدارة، والكرم والمروءة، ومن أبناء الوطن الذين حملوا رسالة التعليم، وعلموا أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن دور التعليم ليست مباني ومكاتب، وإنما هي مصانع للعقول، ومواطن لصناعة المستقبل، ومنارات تهدي الأجيال إلى طريق العلم والمعرفة. إنه معالي الشيخ الأستاذ الدكتور/ راشد بن راجح بن محمد بن سلطان العبدلي الشريف الذي وافته المنية يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر صفر لعام 1448هـ، لقد رحل الشيخ الدكتور راشد بن راجح الشريف رحمه الله، بعد حياة حافلة بالعطاء، ومسيرة امتدت بين محراب العلم، وميدان الإدارة، ومجالس المسؤولية الوطنية، فكان ممن جمع الله لهم بين التأصيل العلمي، والخبرة الإدارية، والرؤية الواسعة، والسعي في أن يكون العلم أداة بناء وإصلاح.
إن الحديث عن الدكتور راشد الشريف ليس حديثًا عن منصبٍ تقلده، أو شهادةٍ حصل عليها، أو موقعٍ شغله فحسب، فهذه أمور وإن كانت تدل على جانب من مسيرته، إلا أن الرجال لا تقاس فقط بما كتب في سيرهم، وإنما بما تركوه في القلوب من محبة، وفي ميادين العمل من أثر، وفي الأجيال من قدوة.
لقد كان من أولئك الرجال الذين جاءت حياتهم في سياق مرحلة مهمة من مراحل النهضة التعليمية في بلادنا المملكة العربية السعودية؛ مرحلة كان الوطن فيها يبني مؤسساته العلمية، ويؤسس الجامعات، ويبحث عن رجال يجمعون بين العلم الشرعي والأكاديمي، وبين المحافظة على الأصالة، والانفتاح على آفاق المعرفة الجديدة.
علم من الأعلام غيب في الثرى
فثوى رهين جنادل وتراب
ولهذا فسيكون الحديث عن سيرته -رحمه الله- في عدة وقفات:
الوقفة الأولى النشأة والتعليم
ولد الشيخ الدكتور راشد بن راجح بن محمد بن سلطان العبدلي الشريف عام 1356هـ، في قرية العلاوة التابعة لمحافظة تربة قرب الطائف، توفي والده وهو صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره، فتولى رعايته والدته وأخوه الأكبر، نشا في بيئة عرفت قيمة العلم، فقد كان والده الشريف راجح رحمه الله حكيماً، ذا معرفة متميزة، وفلكياً، وشاعراً بارزا في الفصحى والشعبية، وكان بليغا شجاعاً، وقامة رفيعة في قومه.
وأحسب أن معالي الدكتور راشد -رحمه الله- ورث من والده من هذا شيئًا كثيرًا.
تربى على الجد والاجتهاد، ومضى في طريق التعليم حتى أصبح العلم عنده رسالة يحملها، وأمانة يؤديها. كانت رحلته العلمية شاهدًا على أن الطموح إذا اقترن بالإخلاص، والعمل الجاد، فتح الله لصاحبه أبوابًا واسعة من العطاء، هكذا نحسبه والله حسيبه.
تلقى تعليمه في المرحلة الابتدائية إلى الصف الرابع في مدرسة العلاوة في تربة التي فتحت عام 1369هـ، ثم اكمل الدراسة في المدرسة العزيزية في الطائف، ثم المرحلة المتوسطة والثانوية في دار التوحيد، وكان في كل مراحل تعليمه - بعد توفيق الله ورعايته - متميزاً متقدماً على أقرانه بذكائه وتحصيله وجديته.
ثم اتجه إلى مكة المكرمة، حيث نهل من معينها العلمي، والتحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، في بيئة كانت ولا تزال من أعظم البيئات العلمية، تلك البيئة التي حملت إرث الحرم المكي الشريف، وعرفت حلقات العلماء، وقدّمت للأمة أجيالًا من الفقهاء والمربين والدعاة، فتخرج منها بامتياز، وكان ترتيبه الأول.
ثم واصل مسيرته العلمية، ابتُعث إلى الخارج معيداً في الكلية، فالتحق بجامعة كامبردج في بريطانيا، ونال منها درجة الدكتوراه، وكان موضوع رسالته في اللغة العربية المقارنة بين ألفية بن معطي وألفية بن مالك في علم النحو، في رحلة علمية أضافت إلى تكوينه بعدًا آخر، ومزجت بين عمق التخصص، والاطلاع على تجارب التعليم الجامعي في العالم، ثم عاد إلى وطنه يحمل علمًا وخبرة، فخير ما يقدمه الإنسان لوطنه هو أن يجعل علمه في خدمة مجتمعه وأمته.
الوقفة الثانية: إدارة الجامعة
كانت جامعة أم القرى محطة بارزة في حياته، بل كانت من أبرز الصفحات التي ارتبط بها اسمه؛ فقد كان من رجالات المرحلة التي شهدت انتقال التعليم الجامعي في مكة المكرمة إلى آفاق أوسع، وتحول المؤسسات التعليمية القائمة إلى جامعة تحمل اسم أم القرى، بما لهذا الاسم من دلالة عميقة ومكانة رفيعة.
بدأ مسيرته الأكاديمية أستاذاً في كلية الشريعة ثم عميداً. ثم عندما صدر الأمر الملكي الكريم بإنشاء جامعة أم القرى عام 1401هـ تم اختياره ليكون أول مدير لها، فحمل مسؤولية كبيرة في مرحلة التأسيس والبناء، وهي مرحلة تحتاج إلى رجال يجمعون بين الرؤية والصبر، وبين المعرفة والقدرة على الإدارة، وبين الحزم والحكمة. فإدارة المؤسسات العلمية لها خصوصياتها، لأن الجامعة تتعامل مع العقول، وتصنع الأجيال، وتؤثر في مستقبل المجتمع.
إن تأسيس الجامعة ليس قرارًا إداريًا فحسب، بل هو مشروع حضاري يحتاج إلى رؤية بعيدة، وصبر طويل، وقدرة على الجمع بين المحافظة على الهوية العلمية الراسخة، والاستجابة لمتطلبات العصر.
ولقد كان حريصًا على أن تكون جامعة أم القرى جامعةً تحمل اسمها بكل ما فيه من رمزية، وأن تكون منارةً للعلم الشرعي، والإنساني، والتطبيقي، وأن تواصل دورها في نشر المعرفة وبناء العلماء والمتخصصين، ومن هنا فقد أشرف على التوسع في الكليات والبرامج الأكاديمية، ودعم البحث العلمي، والدراسات العليا، وأسهم إسهاماً كبيراً في تطوير البيئة الأكاديمية والإدارية للجامعة.
فبنى الأنظمة، ورسخ اللوائح، وكون الكوادر، واستقطب الكفاءات، وأوجد البيئة التي تجعل الأستاذ، والطالب، والإداري شركاء في صناعة النجاح.
الإدارة الناجحة تبدأ من الإنسان قبل الأنظمة، واحترام العاملين، والاستماع إلى أهل الخبرة، وتشجيع المبادرات، وبناء الثقة داخل المؤسسة، وهذه أسس لا غنى عنها لأي مشروع علمي ناجح.
وقد ترك خلال عمله في الجامعة - التي استمرت نحو اثنى عشر عاماً - أثرًا في مسيرة التعليم الجامعي، وأسهم في ترسيخ مكانتها، ودعم برامجها، وتعزيز حضورها العلمي، حتى أصبحت جامعة أم القرى إحدى الجامعات السعودية الكبرى التي تحمل إرثًا علميًا عريقًا، وتقوم بدور مهم في خدمة المجتمع والبحث العلمي والتعليم.
الوقفة الثالثة: علاقته بالمجتمع والخدمة العامة
أما في المجتمع فقد كان رجل مجتمع، وثقافة، وفكر. فقد كان حاضراً في المشهد الوطني العام، يرى بأن دور العالم والأكاديمي يمتد إلى المشاركة في القضايا التي تمس المجتمع، وإلى الإسهام في كل ما يعزز قيم الاعتدال، وخدمة الصالح العام.
لقد هيأ الله لهذه البلاد المباركة قيادات وقامات جعلت الإنسان عندها محور التنمية، والعلم في خطتها أساس النهضة، والمؤسسات في نظرها أدواتٍ لتحقيق الرؤية والطموح، والدولة حفظها تقدر الرجال، وتعرف لذوي المكانة مكانتهم، وتقدم لهم ما يعينهم على القيام بمسؤولياتهم.
كان الشيخ الدكتور راشد بن راجح الشريف واحدًا من هؤلاء الذي أسهموا في خدمة وطنهم من مواقع المسؤولية، مؤمنًا بأن خدمة الوطن المملكة العربية السعودية شرف، وأن المحافظة على مكتسباتها واجب، وأن النجاح الحقيقي هو ما يتحول إلى نفعٍ عام للمجتمع.
فالوطن يبنى بالإخلاص، والانضباط، والعمل المتقن. ومن هنا جاءت مشاركاته في عدد من المسؤوليات الوطنية.
فقد كان عضوًا في مجلس الشورى، حيث شارك في مسيرة العمل التشريعي والوطني، حاملاً معه خبرته الأكاديمية ونظرته العلمية، وفي مجلس الشورى، كان يدرك أثر القرارات في حياة الناس، وينظر إلى القضايا العامة بعين الباحث الذي يبحث عن الأصلح، لا بعين صاحب الرأي العابر.
كما ارتبط اسمه بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني فقد كان أحد نواب الرئيس، حيث أسهم في مجال من مجالات العمل الوطني المهمة، وهو مجال الحوار الذي يقوم على الاستماع، واحترام التنوع، والبحث عن المشترك، وتعزيز الوحدة الوطنية. وكان هذا المجال قريبًا من طبيعته التي عُرفت بالهدوء، والحكمة، والإنصات، والقدرة على بناء جسور التفاهم.
فالحوار خلق ومنهج، يحتاج إلى نفوس ترى أن الاختلافَ اختلافُ في الرأي، وليس اختلافاً في الولاء والأُخُوَّة وأن المجتمع القوي هو المجتمع الذي يستطيع أن يتحاور ويتعاون، وينبذ ما يفرقه، ويتمسك بما يجمعه.
كما كان له حضور في المجال الثقافي والأدبي، فقد تولى رئاسة النادي الأدبي بمكة المكرمة، وكان وجوده في هذا المجال امتدادًا لشخصيته التي تجمع بين العلم، والأدب، والثقافة، وبين التخصص الأكاديمي والانفتاح على قضايا الفكر والأدب.
ومن طريف ما يذكر في طبيعة هذا الرجل وجديته وحرصه أنه في أحد مناشط النادي وقد أقيمت ندوة، وكان - رحمه الله - قد أجرى عملية القلب المفتوح، فحضر هذه الندوة، وهو لا يزال في اليوم الثاني بعد إجراء العملية.
أما عن صفاته الشخصية وأخلاقه -رحمه الله- فقد عُرف بالتواضع، والوقار، وحسن المعاملة، وهدوء الطبع، والبعد عن التكلف. فقد كانت مكانته العلمية والوظيفية لا تحجبه عن الناس، وكان منصبه لا يقف حاجزاً عن الاستماع للآخرين، ونجاحه لا يجعله يرى نفسه فوق من حوله. وهذه من صفات الكبار؛ تزداد مكانتهم في قلوب الناس كلما عرفوهم عن قرب، التواضع عندهم ثمرة علم، وحسن الخلق جزء من رسالتهم.
وما أكسب المحامد طالبوها
بمثل البشر والوجه الطليق
لقد كان معالي الدكتور راشد الشريف -رحمه الله- من أولئك الذين فهموا أن العلم يهذب صاحبه قبل أن يرفع مكانته، والمسؤولية امتحان للأخلاق قبل أن تكون امتحانًا للقدرات، ولذلك بقي ذكره مقرونًا بالاحترام والتقدير لدى كل من عرفه وعمل معه.
وكم من أستاذ أو مسؤول يغادر موقعه ثم يبقى اسمه حاضرًا؛ لأن الناس لا تحفظ فقط ما عمل، بل تحفظ كيف عمل. فالطريقة التي يؤدي بها الإنسان عمله جزء من إرثه، والخلق الذي يعامل به الناس جزء من سيرته، والروح التي يتركها في المكان تكون أبقى من كل أثر مادي.
أعطى لدينٍ وللأوطان مهجته
شهماً كريماً له في الخير عنوان
الوقفة الرابعة: إضاءات في مسيرته الأولى: خدمة بلدته (تربة):
كان باراً لبلدته (تربة) - الآن محافظة تربة -، كما كان باراً لبلده الكبير المملكة العربية السعودية، فأياديه في (تربة) أياد بيضاء في كافة المجالات التي تخدم أهل المحافظة، فهو ما فتئ يقدم الجهد، والمال، والوقت، والجاه في خدمتها، حتى كان أهل المحافظة يقولون: إن من نعمة الله عليهم أن كان هذا الابن النجيب من أبنائها، أورثه الله العلم فقهاً وشرعاً، ولغة، وزاده في ذلك كله بسطة واسعة، فكان يسعى ما وسعه السعي لخدمة بلدته حتى قال قائلهم: له البيض منشورة، والأنفس مسرورة، والقلوب محبورة، وإسهاماته غير محصورة، براً بمحافظته وأهلها، ومن هنا كان المسؤولون في الدولة يقدرون له هذه الجهود، ويعينونه في تحقيق ما يصبو إليه من خدمة لبلدته في جميع الميادين والمرافق، وأمثاله ممن يخدمون مدنهم كثير في بلادنا المباركة، والدولة حفظها الله وأدام عزها تقدر لهؤلاء الرجال الكبار حسن صنيعهم، وتسهل لهم مهماتهم.
الثانية: ومما عرف عنه -رحمه الله- بذل الخير ودعم الجمعيات الخير، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، والتيسير على المعسرين.
لقد كان الدكتور راشد -رحمه الله- سباقاً في هذا الميدان في مساعدة المحتاجين والمعسرين، وتنفيس كرب المكروبين، ناهيكم بسعيه الحثيث في حل المشكلات الاجتماعية، وبخاصة ممن عثر بهم الزمن، وأخطأوا في مسيرتهم، فكان السجن هو الطريق لإصلاحهم، فكان الشيخ الدكتور راشد ممن يسعى في فكهم، وحل موضوعاتهم إذا رأى أنهم أهل لذلك.
وثمت نشاط آخر في هذا الميدان وهو: السعي في الصلح بين الناس، فهو بعلمه، وتدينه، وحكمته، ومعرفته بمشكلات المجتمع، وبما يحظى به من قبول لنزاهته وتجرده كانت مساعيه ناجحة راشدة راجحة.
لئن بليت فلا يبلى نداك ولا
تُنسى، وكم هالك يُنسى إذا قَدُما
الثالثة: جائزة التفوق العلمي والخلقي: وهي جائزة أنشأها معالي الدكتور راشد -رحمه الله- لأبناء وبنات محافظ تربة في مراحل التعليم المختلفة بما فيها الجامعي، ورصد لها مليون ريال سنوياً، أنشأها لهدف نبيل، ومقصد هادف، وبنَّاء لتشجيع طلاب وطالبات محافظة تربة علمياً وخلقياً من طلاب وطالبات الجامعة والتعليم العام - كما يقول رحمه الله في إحدى تقديماته في نشرة الجائزة -: تقديراً للتفوق والتميز في الدرجات، وما حصلوا عليه من تقديرات عالية في المراحل الدراسية في الجامعة وبقية المراحل الدراسية، وهي جائزة علمية محكمة، لها شروطها، ولجانها، في معايير دقيقة، ومقاييس عادلة.
وقد أراد بها الدكتور راشد -رحمه الله- إذكاء روح التنافس بين الطلاب والطالبات تقديراً واحتفاء بما حققه الفائزون والفائزات من تميز علمي، وما تمثلوه من قيم أخلاقية سامية.
الرابعة: ومما يدون في سيرة هذا الرجل الكريم أنه حافظ لكتاب الله متقن له، وقد تيسر له أن صلى به التراويح في مسجد الهادي في الطائف، وهو حسن التلاوة، جميل الصوت، وقراءته خاشعة عليها السكينة، سكينة أهل العلم والصلاح، كما هو ضليع في علم اللغة العربية نحوها وصرفها، غيور عليها جداً، وهو يحفظ ألفية ابن مالك حفظا متقناً، كما يحفظ من عيون الشعر شيئاً كثيراً، ويحفظ المعلقات، كما يحفظ بعض المتون في الفقه وغيره، فهو في هذا من المتخصصين الكبار.
الخامسة: الرجل كريم مضياف بيته مفتوح لأهله وأصدقائه كما أنه كثيراً ما يحتفي بالمسؤولين ورجالات الدولة، فمجلسه عامر بهؤلاء وأمثالهم، وهم يلقون كل تقدير، وكرم، واحترام.
حبيب إلى الزوار غشيان بيته
جميل المحيا شَبَّ وهو كريم
السادسة: كان وثيق الصلة بوالدي رحمهما الله جميعاً، وكان يزاوره كثيراً، والوالد كان يحبه، ويعرف قدره ومكانته، ويأنس بالجلوس معه، والحديث إليه، وهو كان يحب الوالد جداً ويقدره، وأحسب أن معالي الدكتور يستشيره في بعض ما يعرض له.
إن الوفاء لأهل الفضل من شيم الكرام، والحديث عن الشخصيات المؤثرة ليس صناعةً للأمجاد، وإنما هو استحضارٌ للنماذج التي تُقتدى، وتُستلهم منها معاني الجد والإخلاص.
وكل مصيبات الزمان وجدتها
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
والخلاصة في حياة معالي الدكتور راشد بن راجح الشريف -رحمه الله- والدروس والعبر فيها:
* العلم لا ينفصل عن العمل.
* النجاح يحتاج إلى الصبر والمثابرة.
* القيادة أخلاق قبل أن تكون قرارات.
* خدمة الوطن من أشرف ميادين البذل.
* الإخلاص لله هو سر دوام التوفيق والقبول.
وإذا كان الإنسان يغادر الدنيا بجسده، فإن أثره يبقى بما قدمه من خير. وهذه هي الحقيقة التي تمنح أهل العلم عزاءهم؛ فالعمر وإن انتهى، فإن العمل الصالح يمتد، والكلمة النافعة تبقى، والطالب الذي تعلم ينقل بما تعلمه إلى غيره، والمؤسسة التي بُنيت تستمر في أداء رسالتها، وكل ذلك يجري في ميزان من كان سببًا فيه -بإذن الله-.
رحم الله الدكتور راشد بن راجح الشريف؛ فقد عاش بين العلم وأهله، وخدم التعليم وأبناءه، وتحمل المسؤولية وأدى أمانتها، ثم مضى إلى ربه بعد رحلة حافلة بالعطاء. نسأل الله أن يجعل كل خطوة خطاها في سبيل الخير رفعةً له، وكل علم نشره نورًا في قبره، وكل إنسان انتفع به شاهدًا له يوم يلقى الله.
ما أجمل أن يرحل الإنسان وقد ترك خلفه ذكرًا حسنًا، وألسنة تدعو له، وأعمالًا تشهد له، وأثرًا لا ينقطع بانقضاء أجله.
يموت قوم فلا يأسى لهم أحد
وواحد موته حزن لأقوام
لقد رحل رجلٌ كان يرى في خدمة الناس شرفًا، وفي التعليم رسالة، وفي الوطن أمانة، وفي الوقت مسؤولية. رحل وقد ترك وراءه سيرة يعتز بها أهله، ومحبوه، وزملاؤه، وطلابه، وترك صفحات مضيئة من العمل والعطاء، نسأل الله أن يجعلها له نورًا يوم يلقى الله.
بكت عليه أم القرى إذا غاب كوكبها
وفي المحاريب والآثار سلوان
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله أن يعظم أجر أهله، وأن يجبر مصاب محبيه، وأن يلهم طلابه وزملاءه الصبر والاحتساب.
اللهم يا واسع الرحمة، يا كريم العفو، يا من وسعت رحمتك كل شيء، نسألك أن تتغمد عبدك راشد بن راجح الشريف بواسع رحمتك، وأن تجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء، وأن تجعل ما قدمه من تعليم وبناء وخدمة في ميزان حسناته.
اللهم آنس وحشته، وارحم غربته، ونوّر قبره، وافسح له فيه مد بصره، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم اخلفه في أهله ومحبيه خيرًا.
يا رب فاغفر له وارحمه في جنة
فيها السلام وروض فيه رضوان
هذا وأسأل الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء على ما قدم، وأن يبارك في علمه وعمله، وأن يديم على وطننا أمنه واستقراره ورخاءه، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله وأعزهما - وأن يجعل أعمال الجميع خالصة لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
** **
- إمام وخطيب المسجد الحرام