أحمد الأسمري
باع ضياء العوضي لمتابعيه وعداً مغرياً: اتركوا الأدوية، وغيّروا طعامكم، وسيتولى الجسد علاج نفسه. كان الوعد سهلاً، واثقاً، ومطعّماً بآيات القرآن، لذلك بدا عند كثيرين أصدق من طبيب يتحدث بحذر، ويطلب فحوصاً، ولا يَعِد بمعجزة.
في أبريل الماضي، توفي العوضي فجأة في دبي، لكن الوصفة لم تمت معه. بقيت مقاطعه تتنقل بين الهواتف، واستمر أتباعه في الدفاع عن منهجه، في دليل على أن الخرافة، متى استقرت في الوعي، قد تعيش أطول من صاحبها.
لكن للوهم فاتورة لا تظهر في مقاطع الفيديو.
فقد افتتحت صحيفة «الغارديان» البريطانية تحقيقاً عن «نظام الطيبات» بقصة كاتبة مصرية مصابة بالسكري، أوقفت أدويتها واتّبعت منهج العوضي.
شعرت أولاً بتحسن، ثم أصيبت بالقدم السكرية، وأصبحت تخضع دورياً لإزالة الأنسجة المصابة تفادياً للبتر.
ومع ذلك، لم تهزم مثل هذه القصص الخرافة. حتى سحب ترخيص العوضي وحظر تداول محتواه تحولا لدى أتباعه إلى دليل على أنه كان مستهدفاً لأنه كشف الحقيقة. وهنا تتجاوز القضية طبيباً ووصفة غذائية، لتكشف معركة أوسع بين علم يعترف بحدوده، وخرافة لا يشك أصحابها في شيء.
لم يكن «نظام الطيبات» سوى خلطة مألوفة: حقائق بسيطة عن أثر الغذاء، وادعاءات لم تمر بتجارب محكمة، ولغة دينية تمنح الوصفة حصانة عاطفية، وعدو دائم اسمه «الطب الحديث».
ومن هذه الخلطة خرج التشكيك في الإنسولين والعلاج الكيميائي، ومنع أطعمة نافعة، والتسامح مع السكر والتدخين.
وتزداد الخطورة عند استعارة النصوص الدينية لتزكية الوصفة، فالمريض لا يعود أمام رأي طبي قابل للأخذ والرد، بل أمام خطاب يوهمه أن الاعتراض على صاحبه اعتراض على الدين.
والإيمان لا يحتاج إلى وصفة مزيفة كي يثبت حضوره، كما أن الطب لا يصبح علماً بمجرد إلباسه ألفاظاً مقدسة.
الخرافة لا تنتشر دائماً لأنها مقنعة، بل لأنها مريحة.
العلم يقول للمريض إن حالته معقدة، وإن العلاج قد يطول، وإن الدواء له منافع وآثار جانبية.
أما بائع الوهم فيختصر العالم في سبب واحد، ويمنح متابعه شعوراً بأنه اكتشف سراً حُجب عن الملايين.
لهذا تزدهر نظريات المؤامرة في أوقات الخوف والمرض. الإنسان القلق يريد تفسيراً يعيد إليه السيطرة، ولا يحتمل أن تكون الحقيقة ناقصة أو مؤقتة.
أما القول إن جهة خفية تدير كل شيء، فيمنحه قصة كاملة، ولو كانت كاذبة.
وتضاعف المنصات الرقمية إثر ذلك. فالخوارزميات لا تسأل عن الدليل، بل عن الغضب والمخاوف وقابلية المشاركة. لذلك يخسر البحث الهادئ أمام مقطع صارخ، ويكسب صاحب اليقين المطلق على حساب العالم الذي يقول: هذه أفضل نتيجة لدينا حتى الآن.
وليست هذه الظاهرة حكراً على عالمنا العربي. ففي الولايات المتحدة، تحوّل أنتوني فاوتشي خلال جائحة كورونا وما تلاها إلى هدف لقوى يمينية رأت فيه رمزاً للقيود واللقاحات والدولة العميقة.
ومن حق الناس مساءلته وانتقاد المؤسسات الصحية والتحقيق في منشأ الفيروس وتمويل الأبحاث؛ فالعلم لا يصنع قديسين.
لكن المساءلة تحولت لدى تيارات واسعة إلى اتهامات بالخيانة والتآمر، حتى بلغ التحريض حد تهديده وعائلته بالقتل.
مشكلة العلم أنه يصحح نفسه علناً. تتغير توصية عندما تظهر أدلة جديدة، فيظن البعض أن التغيير اعتراف بالكذب.
أما الدجال فلا يراجع شيئاً؛ كل فشل عنده سببه أن المريض لم يلتزم، وكل اعتراض دليل جديد على صحة ما يقول.
العلم ليس كاملاً، وشركات الدواء ليست جمعيات خيرية، والمؤسسات قد تخطئ وتتأثر بالمصالح.
لكن علاج ذلك يكون بمزيد من العلم والشفافية والرقابة، لا بتسليم أجساد الناس إلى صاحب مقطع مؤثر أو رأي مثير.
وحين يصبح الطبيب المتخصص مشبوهاً لأنه دقيق ومتردد، ويصبح الدجال بطلاً لأنه قاطع وواثق، تكون الخرافة قد ربحت المعركة قبل أن يبدأ المرض.