باسم سلامة القليطي
ما إن يقع خلافٌ بين زوجين، أو يحتدم نقاشٌ بين أبٍ وابنه، أو تقف فتاةٌ حائرة أمام قرارٍ مصيري، حتى يكون الهاتف أول من يُستشار، قبل أن يُطرَق بابُ صاحب الخبرة، أو يُستأنس برأي من عركته الحياة.
وخلال دقائق، تتدفق عشرات المقاطع التي تتحدث بثقةٍ مذهلة، كأنها تعرف تفاصيل البيوت، وخفايا النفوس، وظروف الناس. يخرج المشاهد وهو يظن أنه امتلك الحقيقة كاملة، بينما لم يسمع إلا طرفاً واحداً، ورأياً واحداً، وتجربةً واحدة.
هذه ليست أزمة معلومات، فالمعرفة اليوم أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكنها أزمةُ أصوات. فكلما أصبح الوصول إلى المنصة أسهل، ازداد عدد من يتحدثون باسم الخبرة، حتى اختلط العالم بالهاوي، والمتخصص بالمؤثر، وصاحب التجربة بمن يقتات على الإثارة.
ولم يعد السؤال: ماذا قيل؟ بل أصبح السؤال الأهم: من الذي قال؟ وما الذي يؤهله لأن يُسمع؟
لم يكن الناس في الماضي يتلقون النصيحة من كل أحد. كانوا يميزون بين من يتكلم لأنه يعلم، ومن يتكلم لأنه يحب أن يُسمع.
وكان الزمن نفسه يؤدي دور المصفاة؛ فلا يُشار إلى أحد بالبنان إلا بعد تجربة، ولا تُطلب مشورته إلا بعد أن يشهد له الناس برجاحة العقل، وسداد الرأي، وحسن الأثر.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «ما أفتيتُ حتى شهِد لي سبعون أَنِّي أهلٌ لذلك».
أما اليوم، فقد اختل هذا الميزان. لم تعد الخبرة شرطاً ليصبح الإنسان خبيراً في أعين الناس، ولا الحكمة شرطاً ليُعامل بوصفه حكيماً.
يكفي أن يمتلك حساباً واسع الانتشار، وأن يجيد مخاطبة العاطفة، وأن يتقن صناعة المقطع القصير، حتى يجد الآلاف، وربما الملايين، ينتظرون رأيه في الزواج، والتربية، والاقتصاد، والصحة النفسية، والدين، والعلاقات الإنسانية.
ليست المشكلة أن الناس يتحدثون، فالتعبير حق، وتبادل الخبرات ضرورة، وإنما المشكلة حين تتحول الآراء الشخصية إلى حقائق مطلقة، والتجارب الفردية إلى قوانين عامة، والثقة بالنفس إلى بديل عن العلم.
تأمل ما يحدث كل يوم. يختلف زوجان، فتنهال عليهما المقاطع التي تدعو أحدهما إلى الطلاق، وتحذر الآخر من التنازل، وتصور أي تسوية على أنها هزيمة. يحتار أب في تربية ابنه، فتأتيه عشرات الوصفات الجاهزة، وكل واحدة تؤكد أنها الطريق الوحيد للتربية الصحيحة.
وتتردد فتاة في قرارٍ مصيري، فتجد من يُصدر حكماً قاطعاً على حياتها كلها في أقل من دقيقة.
المؤلم أن أصحاب هذه الأحكام لا يعرفون الأشخاص، ولا ظروفهم، ولا تاريخهم، ولا تفاصيلهم. ومع ذلك يتحدثون بثقة من شهد القصة كلها، لا من سمع طرفاً منها.
لقد عاشت الأسر قبل وسائل التواصل، وكانت تواجه خلافاتها، وتربي أبناءها، وتبني علاقاتها، ولم تكن حياتها مثالية، لكنها كانت تستند إلى شيء ثمين اسمه الفطرة السليمة.
كانت تدرك أن البيوت لا تُبنى بالحقوق وحدها، ولا تستقر بالعواطف وحدها، بل على مزيج من العدل، والرحمة، والصبر، والتغافل، وحسن التقدير. أما كثير من المحتوى الرائج اليوم، فيعمل على تفكيك هذا الميزان، وإحلال منطقٍ جديد مكانه؛ منطقٍ يرى أن كل تنازل ضعف، وكل خلاف تهديد، وكل اختلاف سببٌ كافٍ للهدم.
ومن هنا يبدأ «الهبد». فهو لا يهاجم الحقائق الكُبرى، بل يربك البديهيات.
ولا يقدم نفسه بوصفه رأياً يحتمل الصواب والخطأ، بل حقيقةً نهائية لا تقبل النقاش. وهنا تكمن خطورته.
ومن يتأمل طبيعة هذه المقاطع يلاحظ أنها تخاطب العقل الذي يحب الاختصار، لا العقل الذي يحب الفهم.
فهي تقدم العالم في صورتين لا ثالث لهما: ناجح أو فاشل، ضحية أو جلاد، صح أو خطأ. أما الحياة، فهي أكثر رحابةً من هذه الثنائيات. فالناس لا يعيشون داخل مقاطع قصيرة، بل داخل واقعٍ معقد تتداخل فيه المسؤوليات، والطبائع، والظروف، والنيات، والمآلات.
ولعل سرَّ جاذبية هذا الخطاب أنه لا يبيع الناس فكرةً فحسب، بل يبيعهم شعوراً مريحاً باليقين.
فالإنسان في زمن السرعة، وتزاحم الخيارات، وإرهاق القرار، يبحث عمَّن يعفيه من عبء التفكير، ويمنحه إجابةً قاطعة تطرد قلق التردد، ولو كانت تلك الإجابة أبعد ما تكون عن الحقيقة.
ولهذا تنتشر الأحكام المُطلقة أسرع من الأفكار المتزنة؛ لأنها تمنح النفس راحةً مؤقتة، بينما تتطلب الحكمة صبراً، وتأملاً، واحتمالاً لتعقيد الواقع.
ولهذا يغيب عن كثير من صُناع المحتوى فقهُ الموازنات. فالحياة لا تضعنا دائماً أمام خيار بين خير وشر، بل كثيراً ما تفرض علينا الاختيار بين مصلحتين، أو بين مفسدتين، أو بين حقين يتزاحمان.
وقد يكون التغافل عن خطأ صغير حمايةً لبيتٍ كامل، وقد يكون تأجيل المواجهة حكمةً لا جبناً، وقد يكون التنازل في موقفٍ معين حفاظاً على مصلحةٍ أكبر، لا تخلياً عن الكرامة.
أما النصائح المُعلبة، فلا تعرف إلا لغة الحسم: اقطع، اترك، واجه، لا تتسامح، لا تتنازل. وكأن البيوت تُدار بأزرار، لا بقلوب، وكأن البشر نسخٌ متطابقة لا تختلف طبائعهم، ولا ظروفهم، ولا أولوياتهم.
ومن أكبر الأوهام التي صنعتها منصات التواصل أن التجربة الشخصية يمكن أن تتحول إلى قانونٍ عام.
ينجح شخص بطريقةٍ معينة، فيطالب الجميع بتقليده. ويفشل آخر في علاقة، فيحكم على كل العلاقات المشابهة بالفشل. بينما الحقيقة أن الإنسان ليس رقماً في معادلة، بل عالمٌ مستقل، له بيئته، وتربيته، وشخصيته، وتاريخه، وما يصلح لإنسان قد يكون سبباً في تعاسة آخر.
ولهذا كان الحكماء يكثرون من السؤال قبل الجواب، والأطباء يبدؤون بالتشخيص قبل وصف العلاج، والقضاة يستمعون إلى جميع الأطراف قبل إصدار الحكم. أما «الهبد»، فلا يحتاج إلى شيءٍ من ذلك؛ لأنه يوزع الأحكام كما توزع المنشورات، ويمنح الوصفات قبل أن يعرف المرض.
وليس المقصود بهذا كله أن نغلق أبواب النصيحة، أو أن نشك في كل محتوى. فما زالت المنصات تزخر بخبراء صادقين، ومتخصصين نافعين، وتجارب ملهمة. لكن الفارق بين الخبير وصاحب «الهبد» أن الخبير كلما اتسعت معرفته، اتسعت مساحة تردده فيما لا يعلم، بينما يزداد صاحب «الهبد» يقيناً مع كل زيادة في عدد المتابعين.
إن معركة الوعي في عصرنا ليست بين التقنية والإنسان، ولا بين القديم والجديد، وإنما بين المعرفة والانطباع، وبين التخصص والادعاء، وبين الحكمة والاستعراض.
ولذلك لم تعد الحاجة اليوم إلى مزيد من النصائح، بقدر حاجتنا إلى حسن اختيار من ننصت إليه. فليس كل مشهور مرجعاً، وليس كل متحدث متخصصاً، وليس كل تجربة تصلح أن تكون قاعدة،
كما أن كثرة المتابعين لا تمنح صاحبها حكمة، تماماً كما أن جودة التصوير لا تمنح صاحبها علماً.
وعندها، لا تكون المشكلة أن خبراءَ بلا خبرة قد ظهروا، بل أن المجتمع نفسه أصبح يمنح الخبرة لمن لا يملكها، ويمنح الحكمة لمن لم يتعلمها، ويستبدل وزن العقول بعدد المتابعين. وذلك ثمن لا تدفعه الشاشات، بل تدفعه البيوت، وتدفعه الأجيال.