أنس تشكالا
ذات يوم، سمعتُ أحدهم يصحح لصديقه كلمةً اعتاد الناس استعمالها، فقال بثقة: «هذه الكلمة خاطئة، والعرب لا تقولها». لم يكد يُنهي عبارته حتى تدخل ثالثٌ قائلاً: «لكن الجميع يقولها!» عندها أدركت أن السؤال لم يعد متعلقًا بصحة الكلمة أو خطئها، بل بمن يملك حق إصدار هذا الحكم: أهو النحوي؟ أم القاموس؟ أم الناس الذين يتكلمون اللغة كل يوم؟ نحن كثيرًا ما ننظر إلى اللغة كما لو كانت بناءً حجريًا لا يتغير، بينما الحقيقة أنها كائن حي، يولد وينمو ويتغير، وربما يشيخ أيضًا. فاللغة ليست مجموعة قواعد جامدة، وإنما نظام اجتماعي يتشكل باستمرار على ألسنة المتكلمين.
ولهذا فإن تاريخ العربية، كغيرها من اللغات، ليس تاريخ الثبات، بل تاريخ التحول والتطور. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن كثيرًا من الكلمات التي نستعملها اليوم، ونعدها من صميم العربية، كانت في زمن من الأزمنة موضع إنكار واعتراض.
وبعض التراكيب التي يدرسها الطلاب اليوم على أنها من صواب العربية، كانت في عصور سابقة تُعد من قبيل الشذوذ أو الندرة.
وهذا يدل على أن اللغة لا تتحرك بقوانين النحو وحدها، وإنما تتحرك أيضًا بقوانين الاستعمال. ويفرق علماء اللسانيات بين مفهومين مهمين: القاعدة والاستعمال. فالقاعدة تصف ما استقر في اللغة، أما الاستعمال فهو القوة التي تصنع هذا الاستقرار.
ولهذا لم يعد اللسانيون المعاصرون ينظرون إلى اللغة بوصفها منظومة أوامر ونواهٍ، بل بوصفها ظاهرة اجتماعية تراقب كيف يتحدث الناس فعلًا، لا كيف ينبغي لهم أن يتحدثوا.
وهنا قد يثور سؤال مشروع: هل يعني ذلك أن كل خطأ شائع يصبح صحيحًا؟ والجواب: ليس دائمًا. فهناك فرق بين الخطأ العابر الذي لا يلبث أن يختفي، وبين الاستعمال الواسع الذي يستقر على ألسنة الناس عبر أجيال حتى يصبح جزءًا من النظام اللغوي نفسه.
فاللغة لا تستجيب لكل انحراف، لكنها تستجيب لما يرسخ في الاستعمال ويحقق حاجة المتكلمين.
ولعلنا نلحظ ذلك في حياتنا اليومية.
فكثير من الكلمات تغيّرت دلالاتها مع الزمن، ولم يعد الناس يفهمونها كما كان يفهمها السابقون.
فكلمة كانت تدل على معنى معين أصبحت تدل على معنى آخر، وألفاظ كانت خاصة بمجال محدد خرجت إلى مجالات جديدة. وليس هذا فسادًا في اللغة، بل أحد مظاهر حيويتها؛ إذ إن اللغة التي لا تتغير هي لغة توقفت عن الحياة.
ومن أكثر الأمثلة وضوحًا تأثير التقنية في العربية المعاصرة. فقد دخلت ألفاظ مثل «منصة»، و«تطبيق»، و«متصفح»، و«رابط»، و«محتوى»، وغيرها إلى الاستعمال اليومي، واكتسبت معاني لم تكن معروفة قبل عقود قليلة.
وبعض الكلمات القديمة استعارتها العربية الحديثة لمعانٍ جديدة، فأصبحت تؤدي وظائف لم تكن تؤديها من قبل. وهكذا أثبتت العربية مرة أخرى قدرتها على استيعاب المستجدات دون أن تفقد هويتها. لكن هذا لا يعني أن كل ما يجري على الألسنة ينبغي قبوله بلا تمييز.
فاللغة لا تعيش بالفوضى، كما لا تعيش بالجمود. وهناك فرق بين التطور الطبيعي، وبين الإهمال الذي يفضي إلى ضياع البيان، أو إلى تشويه البنية اللغوية.
ولهذا فإن مهمة اللغوي ليست أن يحارب كل جديد، ولا أن يبارك كل شائع، وإنما أن يميز بين التطور الذي تثري به اللغة نفسها، وبين الخطأ الذي يضعفها.
ولعل المشكلة الكبرى تكمن في أننا كثيرًا ما نحاكم اللغة بمنطق الأبيض والأسود؛ فإما أن يكون كل جديد خطأ، وإما أن يكون كل شائع صوابًا. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.
فاللغة تتحرك في منطقة وسطى، تتفاعل فيها القواعد مع الاستعمال، ويؤثر فيها التعليم والإعلام والأدب والتقنية، بل وحتى التحولات الاجتماعية والثقافية. وقد علّمنا علم اللغة الحديث أن السؤال الصحيح ليس: «هل هذه الكلمة صحيحة؟» بل: «كيف يستعملها الناس؟ وفي أي سياق؟ وما الذي طرأ على معناها؟» فهذه الأسئلة تكشف لنا أن اللغة ليست مجرد ألفاظ، وإنما مرآة للمجتمع، تعكس تغيراته الفكرية والثقافية والحضارية.
ومن الطريف أن بعض الناس يظنون أن العربية كانت في يوم من الأيام لغةً لا تعرف الاختلاف. والحقيقة أن كتب التراث نفسها مليئة بالخلاف بين اللغويين حول كثير من الألفاظ والتراكيب، بل إن القبائل العربية اختلفت في بعض وجوه النطق والاستعمال، ثم جاءت كتب اللغة لتسجل هذه الاختلافات، لا لتلغيها.
وهذا يؤكد أن التنوع جزء من طبيعة اللغة، وليس طارئًا عليها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تغير اللغة، بل في ضعف الوعي بها.
فاللغة التي يفهم أهلها قوانين تطورها، ويحسنون التمييز بين الثابت والمتغير، تبقى قوية قادرة على التجدد. أما اللغة التي تُترك للجهل أو للتعصب، فإنها تخسر قدرتها على أداء رسالتها، إما بالجمود الذي يعزلها عن الحياة، وإما بالفوضى التي تفقدها نظامها. ولذلك، فإن الدفاع عن العربية لا يكون برفض كل جديد، كما لا يكون بالتسليم لكل شائع. وإنما يكون بفهم طبيعتها، وإدراك أن اللغة كائن حي، يحافظ على هويته وهو يتطور، ويصون جذوره وهو يمد فروعه نحو المستقبل.
فالعربية بقيت أكثر من خمسة عشر قرنًا لا لأنها رفضت التغيير، بل لأنها أحسنت التكيف معه دون أن تتخلى عن أصولها.
وفي النهاية، ربما يجدر بنا أن نعيد صياغة السؤال الذي بدأنا به. فالقضية ليست: هل يخطئ الناس؟ ولا: هل تتغير اللغة؟ بل كيف نفرق بين الخطأ الذي يزول، والتغير الذي يبقى. فاللغة ليست ملكًا للنحاة وحدهم، ولا للمتكلمين وحدهم، وإنما هي ميراث أمة بأكملها، يتجدد مع الزمن، ويحمل في كل عصر بصمة أهله.
وما أجمل أن ننظر إلى العربية بعين المحب الذي يصونها، لا بعين الحارس الذي يخشى عليها من كل حركة، ولا بعين المتساهل الذي يرضى لها بكل تغيير؛ فبين الجمود والفوضى، تنبض حياة اللغة، وتستمر رحلتها.