د. إبراهيم بن جلال فضلون
من مقدّمة ابن خلدون إلى خوارزميات اليوم: كيف تُصاغ قناعات؟.
فقد كتب ابن خلدون في مدينة قسنطينة قبل أكثر من سبعمائة عام، حين لم يكن يعرف عن الخوارزميات شيئاً، ليصف بدقة مذهلة ظاهرة نفسية لا تزال تحكم شعوباً بأكملها حتى اليوم: أن الإنسان المغلوب يميل، بلا وعي منه غالباً، إلى تقليد من غلبه، معتقداً أن في هذا التقليد سرّاً من أسرار القوة. وبعد سبعة قرون من تلك الملاحظة العبقرية، يأتي سؤال أخطر من السؤال الذي نردده عادة: ماذا نعتقد؟، السؤال الأخطر هو: لماذا نعتقد بما نعتقد؟، فبلغة العلم الحديث: قناعاتنا لا تُبنى بالحجة والدليل وحدهما، بل تُصاغ بشبكة خفية من المكان الذي وُلدنا فيه، والمناخ الذي نشأنا في كنفه، وأحدث عناصر هذه الشبكة اليوم: الخوارزمية التي تقرر، من دون استئذاننا، ماذا نرى وماذا نُصدّق.
والحقيقة أن هذا الكشف، وإن بدا جديداً في نيويورك أو لندن، أقرب إلى بديهية قديمة في عالمنا العربي، رغم اختلاف الجغرافيا والتاريخ ووتيرة التحول الرقمي اختلافاً جوهرياً من قُطر إلى آخر. وفي قلب هذا التنوع، تبرز حالتان تستحقان تأملاً نقدياً هادئاً، لا لأنهما الوحيدتان الجديرتان بالدرس، بل لأنهما تمثلان معاً نموذجاً مُتكاملاً لصياغة قلب وعقل عربي جمعي مُتفرد.
نشأ العقل السعودي الجمعي على صحراء لا تغفر الغفلة، وعلى دروب قوافل جعلت من الترحال والتجارة فطرة قبل أن تكونا مهنة، وعلى مركزية الحرمين بمكة والمدينة اللتين حوّلتا الجزيرة العربية، منذ فجر الإسلام، إلى نقطة التقاء للأمم لا مجرد إحداثيات على خريطة، جعلت من هذا المزيج ذات القسوة البيئة وقداسة المكان يُنتجان عقلاً يجمع بين براغماتية حادة وثبات عقدي عميق، وهو ذاته المزيج الذي يفسّر اليوم قدرة المملكة على تنفيذ تحوّل اقتصادي واجتماعي بالسرعة التي تشهدها رؤية 2030، من دون أن تفقد بوصلتها الثقافية أو تتنازل عن هويتها.
إن القوى التي تصوغ الوعي الجمعي لم تعد جيولوجية خالصة، حيثُ بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في السعودية بنهاية عام 2025، نحو %99 من السكان، أي أكثر من 34 مليون مُستخدم، بينما تجاوزت هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 38.6 مليون مُستخدم، وهو رقم يفوق عدد السكان أنفسهم نتيجة تعدد الحسابات لدى الفرد الواحد.
والمفارقة أن المملكة تخوض سباقاً لترويض هذه القوة الجديدة بدل الاستسلام لها، حيثُ ارتفعت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين مستخدمي الإنترنت في المملكة، حسب بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية، إلى 45.2 %، بالتوازي مع التزام استثماري يتجاوز 40 مليار دولار في مشروعات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، فيما بلغت نسبة المنشآت السعودية المتبنية لتقنياته 33.1 %، بنمو سنوي بلغ 20 %.
القول باستثنائية التفكير السعودي ليس ادعاء تفوّق، بل هو أقرب إلى تشخيص هادئ، فحين تعي الأمة القوى الخفية التي تصوغ قناعاتها، فإنها تنتقل من موقع الخضوع لهذه القوى إلى موقع التفاوض معها، وهو بالضبط ما ينقص كثيراً من النقاش العربي الراهن حول «الأصالة» و«الانفتاح»، إذ يُختزل غالباً في ثنائية زائفة بين رفض التقنية أو الذوبان الكامل فيها، بينما الخيار الثالث - وهو الأصعب واقعياً -، أن نستخدم الخوارزمية من دون أن تُعيد صياغتنا على مقاسها. فالوعي الجمعي، كما أثبتت الدراسات والأبحاث الحديثة، لا يترسّخ في العزلة، بل يُعاد بناؤه كل يوم عبر الحوار والاختلاف والتعرّض المتكرر لما يُخالف قناعاتنا الراسخة، وهو ما تملكه المجتمعات العربية حين تستثمر في التعليم النقدي والإعلام المسؤول بالقدر ذاته الذي تستثمر فيه في البنية التحتية الرقمية، فلا تكتفي بأن تكون سوقاً استهلاكية للخوارزميات القادمة من الخارج، بل تتحول إلى شريك فاعل في صياغة قواعدها ومنظوماتها.
هذا الوعي يستدعي، على المستوى العملي، ثلاثة مسارات متوازية: أولها دمج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية في المناهج الدراسية باعتبارها ضرورة سيادية لا رفاهية تعليمية؛ وتاليها، الاستثمار في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تفهم السياق الثقافي العربي بدل الاكتفاء باستيراد نماذج مُدرَّبة على قيم ومرجعيات مختلفة؛ وأخيراً، تشجيع صناعة محتوى عربي أصيل قادر على منافسة المحتوى الوافد بدل الانشغال بردّ الفعل عليه فحسب.
لم يكن ابن خلدون يعرف كلمة «خوارزمية»، لكنه أدرك جوهرها حين وصف كيف تُقلّد الشعوب من يغلبها. واليوم، أمام خوارزميات عالمية تسعى لأن تكون «الغالب» الجديد الذي تُقاس عليه القناعات، تبقى الإجابة العربية - كما صاغها المفكر الجزائري مالك بن نبي منذ عقود - واضحة لا لبس فيها:
وقفة: يقول مالك بن نبي: «التاريخ لا تصنعه الصدفة ولا مكائد الاستعمار، ولكن ما تصنعه الشعوب ذاتها في أوطانها». وبين صحراء أنجبت اليقين، تبقى السعودية شاهدة على أن العقل العربي، حين يعي القوى التي تصوغه، لا يكتفي بأن يُقاد، بل يختار إلى أين يريد أن يُقاد.