هيفاء صفوق
* ما أجمل أن يستشعر ويعيش الفرد حالة السلام الداخلي مع نفسه فإنه يعيش جنة الله على الأرض.
قد يتساءل بعضنا عن كيفية الحصول على حالة السلام الداخلي؟
* لا بد أن ندرك أنها رحلة الإنسان مع ذاته يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، يتعرف على ذاته وتناقضاته وتقلبات نفسه وللحظات ضعفه وأيضاً مناطق القوة التي يكتشفها في ذاته، إذا السلام الداخلي هو رحلة عمر واستكشاف وتطور ومراحل يخوضها الإنسان حتى يصل إليها.
* السلام الداخلي يشبه نسمة عبير ناعمة وهادئة وباردة وجميلة تنعش معها الروح والنفس والجسد فتكون قادرة على الحب والعطاء والعمل وحسن الظن بالله عز وجل صلة لا تزعزعها مجريات الحياة.
* قد تختلف الطرق في الوصول للسلام الداخلي من إنسان للآخر، وتختلف الآلية التي يتخذها في البحث والتقصي عن هذا السلام، بعضه فطري نجد تلك النفس تواقة للمعرفة ولطرح الأسئلة عن ماهية الذات وعن ماهية الإنسان نفسه فلا تهدئ حتى تجد بصيص أمل لتلك المعرفة فترتاح لكي تعيش حياة طيبة.
* وقد نجد أفراد آخرين ربما لا تعتريهم أهمية لهذا المصطلح وتكتفي بعلاقاتها مع ذاتها ومع غيرها بقسوة وعصبية وتمرد في أخذ الحقوق أو الرغبات أو الاحتياجات بقوة دون فهم المعنى من كل شيء فتفكيرها مادي بحت كيف تعيش حياة جيدة مادياً أو في علاقاتها أو عملها فتتصادم مع ذاتها ومع الآخرين فتكبر لديها الفجوة الداخلية والخارجية فترهق وتتعب.
* وقد نجد أفرادا تمت اختياراتهم في العزلة والانطواء تعلموا منها الشيء الكثير واكتشفوا ذواتهم، ولكن أيضاً اكتشفوا أنه لا غنى عن مخالطة الآخرين والفطرة التي أوجدها الله فيهم.
* وهناك من خاض حياة العمل والانشغال الدائم والركض المستمر دون توقف ودون أن يتأمل داخله ماذا تحتاج هذه الذات فالحياة ليست ألقابا وأسماء فقط، بل روح ونفس وجسد، الانشغال والركض المستمر هو ربما يكون هروبا من شيء يخفيه الإنسان عن ذاته أو ربما خوف أو ربما عدم الرغبة في مواجهة شيء ما قد يكون مؤلما له، وللأسف عملية الهروب لا تدوم لأنه أيضاً حتما سيشعر في النهاية بالتعب وأنه لا مفر من مواجهة ذاته.
الصور التي يبحث عنها الإنسان للسلام والراحة صور عديدة كل منا يختار نمطا معينا في الحياة يختبره ويعيش تجربته ومن ثم يكتشف مدى تأثيره عليه ومن هنا إما أن يرتاح مع هذه الصورة أو هذا النمط من العيش أو فعلا يعمل تغييرا كاملا في حياته لكي يلتمس إضاءات من السلام الداخلي.
* لذا عملية السلام الداخلي يتعلمها الإنسان ليست عملية نظرية، بل تجربة كاملة يعيشها ويتعلم منها حتى ينتقل من مستوى إلى مستوى آخر أكثر نضجا ووعيا.
* لا نستطيع أن نطلق كلمة فشل أو نجاح بشكلهما العام، بل هي رحلة عمر واستكشاف ونمو لمعرفة بواطن هذه الذات وحقيقتها وكيف تتوازن بما تريد وبما يريد الله عز وجل فهناك قوانين في الحياة وليست حياة عبثية كما يعتقد البعض، كل نمو وتطور يلحقه وعي جديد، وكل إخفاق وتراجع يلحقه العديد من الأسئلة، ماذا تعني الحياة في عملية التغيير والنمو وليس كما يقع البعض في عملية مستنزفة من التأنيب أو أخذ بدور الضحية.
* نجد بين هذه الطرق تشابها عميقا هو البحث عن السلام وراحة البال أو العيش الطيب والحياة الكريمة التي تسعد أصحابها وأن غدا بعضها غريبا، وقد يغيب عن البعض أن من قوانين الحياة قانون التوازن بين الروح ومتطلباتها وبين النفس ومتطلباتها وبين الجسد ومتطلباته، وبين الحياة نفسها ومتطلباتها من علاقات وتفاعل وتناغم ومشاركة وعملية الأخذ والعطاء.
* وحده من يصنع السلام الداخلي هو التوازن دون المبالغة ولكي يتعرف الإنسان على السلام الداخلي عليه خوض التجربة فعلياً واكتشاف ما وهبه الله عز وجل في هذه النفس أو الذات من قدرات وإمكانات وكيف يستفاد منها ويعمر هذه الأرض التي يعيش عليها.
* لذا عندما نتأمل جميعاً رحلة الحياة التي نعيشها نحن، أو النظر في تجارب الآخرين نكتشف الخبرة ونكتسب المعرفة في وضع أطر جديدة تساعدنا وتخدمنا لكي نعيش السلام الداخلي ليس هروبا أو نغطيها بالجانب المادي أو أخذ دور الضحية أو إسقاط غضبنا ويأسنا على الآخرين.
* السلام الداخلي لكي نتعرف عليه علينا النظر في داخلنا أولاً دون القسوة على أنفسنا، بل ننظر بحياد تماماً كيف كانت تجربتنا في الحياة وما هي الأشياء الجميلة التي أضافت لحياتنا نورا وسلاما، وما هي الأشياء التي باعدت بيننا وبين حالة الطمأنينة والسلام الفعلي، من هنا نحن نتعرف على داخلنا أولاً من خلال تجربتنا نحن دون إسقاطها على الظروف ربما تكون المواجهة مؤلمة، ولكنها صادقة ومتى ما كنا صادقين أصبح النور والوعي والسلام قريبا منا.
* عندما تظهر إضاءات السلام في داخلنا ستفتح لنا بوابة جميلة اسميتها الحب وفي الحب سلام فعلي وحقيقي يختفي معه الألم والخوف والحيرة وسنشعر بمعية الرحمن والسلام الداخلي الحقيقي هي رحلة عمر ودورنا في الحياة.
* الحب حالة عميقة جداً تزيد الانفتاح الداخلي لمعرفة حقيقة الأشياء أو الظروف أو المواقف فلا نقيمها لشكلها الخارجي بل ندرك المعنى الحقيقي لأقدار الله عز وجل فلا شيء يحدث مصادفة، بل يحدث لكي نتعلم ونرتقي ونستشعر نعم الله علينا ومن ضمنها حالة الحب، هذا لا يعني أن الحياة ستتوقف من تحدياتها لنا، بل سنتعلم كيف نتعامل معها بحب دون جزع، دون طمع، دون خوف وهنا نحن أمام شيئين مؤثرين في حياتنا الحب والسلام.
* عندما تمتلئ قلوبنا بحالة الحب والسلام سنكون في حالة غنى داخلي وندرك حقيقة الحقائق أن الله هو الغني والمعطي والرزاق والجابر لنا فتتحرك كل الهبات والعطايا والهدايا والحياة الطيبة لنا.
إضاءة:
الحب والسلام يجعلانا في حالة استقبال دائمة لنعم الله علينا.