عبدالرحمن العطوي
لم تعد أخطر أدوات الصراع في مشهدنا الإقليمي المعاصر تتمثَّل في الجيوش النظامية أو المواجهات العسكرية التقليدية، بل باتت تكمن في تلك الأذرع والكيانات الموازية التي نشأت خارج رحم الدولة الوطنية، هذه الكيانات التي تغذت على تهريب السلاح والتمويل المشبوه والتدريب العابر للحدود، تضخمت حتى أصبحت ولاءاتها تتجاوز حدود جغرافيتها لترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشاريع إقليمية توسعية لا ترى في استقرار الدول وسيادتها سوى عقبة كأداء أمام تحقيق أهدافها التخريبية، ولقد دفعت شعوب عربية أصيلة في العراق ولبنان واليمن ثمناً باهظاً ومؤلماً نتيجة تغوّل هذه الجماعات المسلحة التي نصبت نفسها منافساً لمؤسسات الدولة الشرعية في احتكار القرار والسلاح، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الخلل هي جر تلك المجتمعات إلى دوامات لا تنتهي من الأزمات السياسية والانقسامات الطائفية، وفي المقابل تراجعت فرص التنمية وانهارت الاقتصادات واتسعت رقعة الفقر وغابت هيبة القانون ليحل محلها منطق القوة والغلبة، وحين تتحول أراضي الدول المستقلة إلى مجرد ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وورقة تفاوض على طاولات دول أخرى فإن الخاسر الأكبر والوحيد هو المواطن؛ ذلك الذي يبحث عن أبسط حقوقه في الأمن والاستقرار والعيش الكريم، فالأوطان بكل ما تحمله الكلمة من معنى لا تُبنى بمنطق المليشيات، ولا تستقر في ظل انتشار سلاح منفلت خارج عن سلطة الدولة ومؤسساتها، ولا يمكن لها أن تزدهر أو تتقدم خطوة واحدة نحو المستقبل حين يصبح قرار السلم والحرب مختطفا بيد أطراف تخدم أجندات خارجية لا تمت للإرادة الوطنية بصلة، وخلال الأشهر والسنوات الماضية عاشت المنطقة على صفيح ساخن، حيث تصاعدت حدة التوتر وتزايدت الضغوط الدولية على النظام الإيراني بسبب ملفات معقدة ومتشابكة أبرزها استمرار برنامجه النووي بعيداً عن الشفافية الكاملة والتهديد المستمر لأمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وهذا التصعيد العسكري والمواجهات المتفرِّقة انعكست بظلالها القاتمة على الأمن الإقليمي وهو ما جعل الحاجة إلى صوت العقل والتهدئة والالتزام الصارم باحترام سيادة الدول ضرورة وجودية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إن المعادلة واضحة فكلما اتسعت رقعة الفوضى وتآكلت سلطة الدولة المركزية وجدت هذه التنظيمات المسلحة بيئة خصبة للنمو والتحرك، وهذا الانفلات يثير قلقاً دولياوإقليماً متزايداً خاصة مع تكرار الأعمال العدائية المتمثلة في إطلاق الطائرات المسيَّرة والصواريخ البالستية وغيرها من الاعتداءات التي تتخذ من أراضي دول تعاني الهشاشة الأمنية منصات انطلاق لها، ومثل هذه الممارسات العبثية لا تخدم أي قضية، بل تقتصر وظيفتها على تأجيج الصراعات وإطالة أمد الأزمات ووضع المنطقة بأسرها على حافة الانفجار وفي خضم هذه الأمواج العاتية تقف المملكة العربية السعودية كصمام أمان للمنطقة مؤكدة مراراً وتكراراً عبر دبلوماسيتها الرصينة وحراكها السياسي النشط أن أمن الشرق الأوسط واستقراره لا يتحققان إلا باحترام سيادة الدول والالتزام التام بمبادئ حسن الجوار والرفض القاطع للتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وتؤمن الرياض إيماناً راسخاً بأن الحوار والحلول السياسية الشاملة هما المسار الوحيد لإنهاء النزاعات وتجنيب شعوب المنطقة مزيداً من المآسي والويلات من أجل التفرغ لمعركة البناء والتنمية وصناعة المستقبل، إن صفحات التاريخ تقف شاهدة على أن المشاريع التي تتأسس على الفوضى وتستقوي بالسلاح المنفلت لا تنتج سوى الخراب والرماد، والدول لا تستعيد عافيتها وقوتها ولا تفرض احترامها بين الأمم إلا عندما يكون السلاح حكراً على مؤسساتها الشرعية وحدها، وعندما يكون قرارها الوطني مستقلاً ونابعاً من مصالح شعوبها الحقيقية، وخلاصة القول إن استقرار المنطقة ونهضتها لن تصنعهما الأذرع المسلحة ولا وكلاء الفوضى، بل تصنعهما الدول الوطنية القوية المرتكزة على سيادة القانون والمحصنة بإرادة شعوبها في بناء غد يسوده الأمن والسلام والازدهار.