صبحي شبانة
لم تعد قراءة السلوك الإيراني في الشرق الأوسط من خلال الأحداث المنفصلة كافية لفهم ما يجري في المنطقة، فما يبدو على السطح سلسلة من الأزمات المتناثرة، من الخليج العربي إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، قد يكون -وفق قراءات عدد من مراكز الدراسات والخبراء في العلاقات الدولية- جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا، تتحرك فيه السياسة وفق حسابات الزمن أكثر مما تتحرك وفق حسابات الجغرافيا، فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش أزمات مستقلة، بل يعيش أزمة واحدة تتبدل عناوينها، بينما يبقى جوهرها ثابتًا: صراع طويل على موازين القوة، والنفوذ، ومستقبل النظام الأمني في المنطقة.
ومن يتأمل مسار السنوات الماضية يلاحظ أن كل مرحلة اقترب فيها الملف النووي الإيراني من منعطف حاسم، أو تصاعدت فيها الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران، شهدت المنطقة في المقابل توترًا جديدًا في إحدى ساحاتها الملتهبة، مرة في الخليج، وأخرى في البحر الأحمر، وثالثة على الحدود العراقية أو السورية، أو عبر تصعيد في لبنان واليمن، وكأن المنطقة تدخل في دورة متكررة من إعادة توزيع الأزمات، ولعل هذا ما يدفع كثيرًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن إيران لا تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها مجرد مسرح للتحركات العسكرية أو السياسية، وإنما باعتبارها أداة لإدارة الوقت، فكلما اتسعت دائرة الأزمات خارج حدودها، تقلصت قدرة المجتمع الدولي على تركيز اهتمامه على ملف واحد، وتحولت الأولويات من مناقشة البرنامج النووي إلى احتواء الحرائق المشتعلة في أكثر من مكان.
إنها ليست نظرية جديدة في علم الإستراتيجية، فمنذ عقود تتحدث مدارس العلاقات الدولية عن مفهوم «تشتيت مراكز الضغط»، وهو المفهوم الذي يقوم على نقل الخصم من معركة واحدة إلى عدة معارك متزامنة، بحيث يصبح منشغلًا بإدارة الأزمات أكثر من انشغاله بحل المشكلة الأساسية، وفي الحالة الإيرانية، يبدو هذا المفهوم حاضرًا في كثير من التحليلات الغربية والإقليمية، فحين يصبح أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر قضية يومية، وحين تتصدر أسعار النفط وأمن الطاقة عناوين الأخبار، وحين ينصرف الاهتمام الدولي إلى حماية خطوط التجارة العالمية، يتراجع - ولو مؤقتًا - النقاش حول نسب تخصيب اليورانيوم، أو أجهزة الطرد المركزي، أو مستقبل الاتفاق النووي، ولا يعني ذلك بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة بين كل أزمة إقليمية والملف النووي، لكن من الواضح أن تعدد بؤر التوتر يخلق بيئة سياسية أكثر تعقيدًا أمام القوى الدولية، ويمنح جميع الأطراف مساحة أوسع للمناورة.
وهنا تبرز قيمة الوقت في الحسابات الإيرانية، فالوقت في عالم التفاوض ليس مجرد عنصر زمني، بل هو أحد أهم أدوات القوة، وكل جولة مفاوضات تؤجل، وكل أزمة إقليمية تستنزف اهتمام القوى الكبرى، تمنح طهران فرصة إضافية للحفاظ على قدراتها العلمية والتقنية، ومواصلة تطوير برامجها ضمن الحدود التي تسمح بها البيئة السياسية والاقتصادية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يصف عدد من الخبراء الزمن بأنه «أهم مورد إستراتيجي» تمتلكه إيران في مواجهة الضغوط الغربية، فالاقتصادات قد تتعرض للعقوبات، والتحالفات قد تتغير، لكن الزمن وحده قادر على تغيير الوقائع على الأرض، وصناعة حقائق جديدة يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور السنوات، وفي المقابل، تبدو دول الخليج العربي وقد استوعبت طبيعة هذه المعادلة مبكرًا.
فبعد سنوات من الاعتداءات التي استهدفت منشآت الطاقة، والهجمات على الملاحة الدولية، ومحاولات زعزعة الاستقرار، لم تنجرف العواصم الخليجية نحو ردود فعل انفعالية يمكن أن تدفع المنطقة إلى حرب مفتوحة، بل اختارت نهجًا أكثر هدوءًا يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير منظومات الردع، والعمل في الوقت نفسه على منع انزلاق الإقليم إلى مواجهة شاملة، وقد يفسر البعض هذا السلوك باعتباره حذرًا سياسيًا، لكنه في الحقيقة يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الدخول في حرب واسعة قد يحقق، من حيث لا يريد الآخرون، بعض الأهداف التي تسعى إليها الأطراف المستفيدة من توسيع دوائر الصراع، فحين تتحول منطقة الخليج إلى ساحة حرب، تتعطل الأسواق، وترتفع أسعار الطاقة، وتتراجع الاستثمارات، وتتوقف مشاريع التنمية، وهي نتائج لا تصيب طرفًا واحدًا، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ومن هنا جاءت المقاربة الخليجية مختلفة؛ فهي لا تقوم على تجاهل مصادر التهديد، وإنما على إدارة المخاطر بطريقة تمنع الخصم من فرض توقيت المواجهة أو اختيار ساحتها.
وفي قلب هذه المقاربة، برز الدور السعودي باعتباره أحد أكثر الأدوار تأثيرًا في السنوات الأخيرة، فالرياض لم تكتف بتعزيز قدراتها الدفاعية والعسكرية، بل عملت بالتوازي على بناء سياسة إقليمية تقوم على خفض التصعيد، وإحياء قنوات الحوار، وإعادة ترتيب العلاقات مع عدد من القوى الإقليمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية التي تقودها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030 لا يمكن أن تزدهر في بيئة إقليمية مضطربة، ومن يتابع السياسة السعودية خلال الأعوام الماضية يلاحظ أنها أصبحت أكثر ميلًا إلى صناعة التوازنات، وأقل اندفاعًا نحو المواجهات المباشرة، وهو تحول يعكس ثقة متزايدة بالنفس، وإدراكًا بأن القوة لا تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، وإنما أيضًا بالقدرة على منع الحروب قبل وقوعها، ولعل هذا ما يفسر نجاح المملكة في أداء أدوار الوساطة في أكثر من ملف دولي وإقليمي، من الأزمة الروسية - الأوكرانية، إلى السودان، مرورًا بالجهود الرامية إلى احتواء التصعيد في المنطقة، وهو ما منحها مكانة متقدمة باعتبارها لاعبًا دوليًا يسعى إلى تثبيت الاستقرار، لا إلى إدارة الصراعات.
وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة والدول الغربية أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تدرك أهمية منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، لكنها تدرك أيضًا أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تفتح أبواب المنطقة على سيناريوهات يصعب التحكم في نتائجها، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة، أو سلامة الممرات البحرية، أو استقرار الأسواق العالمية، ولهذا تتأرجح السياسة الغربية منذ سنوات بين خيارين؛ تشديد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية من جهة، والإبقاء على نافذة التفاوض مفتوحة من جهة أخرى، لكن هذه المعادلة تظل عرضة للاهتزاز كلما اشتعلت أزمة جديدة في إحدى ساحات الشرق الأوسط، لأن الأولويات تتبدل، والملفات تتداخل، ويصبح احتواء التصعيد أكثر إلحاحًا من معالجة أسبابه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بما إذا كانت المنطقة ستشهد أزمة جديدة، بل بمدى قدرة القوى الإقليمية على منع تحويل هذه الأزمات إلى أدوات لإعادة رسم أولويات المجتمع الدولي، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن يبقى أسيرًا لدائرة لا تنتهي من التصعيد والتهدئة، حيث تتحول كل أزمة إلى مقدمة لأزمة أخرى، وإما أن ينجح في ترسيخ معادلة جديدة تقوم على التنمية والاستقرار، وتجعل من الحوار الإقليمي الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة، إن استقرار المنطقة لم يعد مطلبًا سياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية للعالم بأسره، فالممرات البحرية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر لم تعد شريانًا للتجارة الإقليمية فقط، بل شريانًا للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس فورًا على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والنقل.
وفي ظل هذه المعطيات يبدو أن الرهان الحقيقي ليس على من يمتلك القدرة على إشعال الأزمات، وإنما على من يمتلك القدرة على منعها، فصناعة السلام أصبحت اليوم أكثر تعقيدًا من صناعة الحرب، لكنها في المقابل أكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية والإقليمية والدولية، ويبقى الزمن الذي تحاول بعض القوى توظيفه لتوسيع هوامش المناورة، عنصرًا حاسمًا في مستقبل المنطقة، غير أن الزمن نفسه قد يتحول إلى عامل ضغط على الجميع إذا لم تُبنَ ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تعالج جذور الأزمات، لا مظاهرها فقط، فالمنطقة لم تعد تحتمل حروبًا جديدة، والعالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الاضطراب في أكثر ممراته الإستراتيجية حساسية، وبين من يستخدم الوقت لإطالة الصراع، ومن يستثمره لصناعة الاستقرار، سيتحدد شكل الشرق الأوسط في العقود المقبلة.
يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق إستراتيجي تتجاوز تحدياته حدود الخلافات التقليدية، فالصراع لم يعد يدور فقط حول النفوذ أو توازنات القوة، بل حول أي نموذج سيكون أكثر قدرة على صناعة المستقبل: نموذج يقوم على توسيع دوائر التوتر لكسب الوقت وتحسين شروط التفاوض، أم نموذج يبني توازناته عبر الشراكات الإقليمية، والتحالفات الدولية، والدبلوماسية الوقائية، وترسيخ الاستقرار بوصفه ركيزة للتنمية، ومن هذه الزاوية تبدو التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة معبرة عن تحوّل مهم في إدارة السياسة الإقليمية، فهي لم تكتف بتعزيز قدراتها الدفاعية، بل عملت على توسيع شبكة تحالفاتها، وتكثيف حضورها الدبلوماسي، وقيادة مبادرات لاحتواء الأزمات، انطلاقًا من إدراك أن أمن المنطقة لم يعد مسؤولية دولة واحدة، بل مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واسعًا، ولعل ما تشهده المنطقة اليوم يؤكد أن القدرة على بناء التحالفات أصبحت عنصرًا من عناصر القوة لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية، وأن الدولة التي تنجح في جمع الشركاء حول رؤية مشتركة للاستقرار، ستكون الأقدر على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها، فالجغرافيا قد تمنح بعض الأطراف أوراقًا للمناورة، وقد يوفر الوقت هامشًا إضافيًا للحركة، لكن التحالفات الراسخة، والرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى، والقدرة على تحويل الاستقرار إلى مصلحة مشتركة، تبقى جميعها الضمانة الأكثر رسوخًا لصياغة شرق أوسط أكثر أمنًا، وأكثر ازدهارًا، وأقل قابلية للانزلاق إلى دوامات الصراع المفتوح.