د. عبدالمحسن الرحيمي
تبدأ سلامة المريض قبل سنوات من حصوله على العلاج. فمنذ تصميم الجزيء الدوائي، مرورًا بالدراسات قبل السريرية والتجارب السريرية، والتقييم التنظيمي، والتصنيع، واليقظة الدوائية، تتشكل منظومة علمية متكاملة تهدف إلى ضمان وصول علاج آمن وفعال إلى المريض، ويضيف الذكاء الاصطناعي اليوم بُعدًا جديدًا لهذه المنظومة، من خلال تعزيز جودة القرارات، ورفع كفاءة البحث العلمي، وتسريع اكتشاف المخاطر قبل أن تصل إلى المريض.
وتشير التقارير الدولية إلى أن تطوير دواء جديد يستغرق في المتوسط ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة، وتبلغ تكلفة تطويره مليارات الدولارات، بينما لا تصل إلى مرحلة الاعتماد سوى نسبة محدودة من المركبات التي تبدأ رحلة البحث، وفي الوقت نفسه، يبين مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن القطاع الصحي أصبح من أكثر القطاعات توظيفًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيما تؤكد تقارير ماكنزي أن شركات الأدوية تتجه بصورة متزايدة إلى الاستثمار في هذه التقنيات لتحسين كفاءة التطوير الدوائي، ورفع جودة القرارات، وتعزيز سلامة المرضى.
وتؤكد هيئة الغذاء والدواء الأمريكية هذا التوجه، حيث أوضحت أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تشمل اليوم جميع مراحل دورة حياة الدواء، بدءًا من اكتشاف المركبات الدوائية، ومرورًا بالدراسات قبل السريرية والسريرية، ووصولًا إلى التصنيع ومراقبة سلامة الأدوية بعد طرحها في الأسواق، كما أصدرت الهيئة إطارًا تنظيميًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في دعم القرارات التنظيمية، يرتكز على موثوقية النماذج، وجودة البيانات، وإدارة المخاطر، بما يعزز جودة التقييم ويحافظ على أعلى معايير سلامة المرضى.
ويظهر أثر هذه التقنيات منذ المراحل الأولى لاكتشاف الدواء، حيث يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل ملايين الجزيئات الكيميائية، والتنبؤ بخصائصها الحيوية، والكشف المبكر عن احتمالات السمية أو ضعف الفاعلية، مما يساعد الباحثين على التركيز على المركبات الأكثر وعدًا، ويخفض عدد التجارب غير الضرورية، ويختصر جزءًا من الزمن والتكلفة اللازمين لتطوير الأدوية الجديدة. وتنعكس هذه الكفاءة على جودة الابتكار الدوائي من خلال توجيه الموارد العلمية نحو الخيارات الأعلى احتمالًا للنجاح.
ويمتد هذا الأثر إلى الدراسات السريرية، التي تمثل المرحلة الحاسمة في تقييم سلامة الدواء وفعاليته، ويساعد الذكاء الاصطناعي في اختيار المشاركين وفق معايير أكثر دقة، وتحليل البيانات بصورة مستمرة، ورصد المؤشرات المبكرة للآثار الجانبية، وتحسين تصميم الدراسات، بما يرفع جودة النتائج العلمية، ويعزز حماية المشاركين، ويسهم في تحسين كفاءة تنفيذ الدراسات مع المحافظة على المتطلبات العلمية والتنظيمية.
وتستمر رحلة سلامة المريض بعد اعتماد الدواء وتسويقه، إذ قد تظهر آثار جانبية نادرة مع الاستخدام الواسع لا يمكن رصدها خلال التجارب السريرية وحدها. وهنا تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في اليقظة الدوائية، عبر تحليل ملايين البلاغات والسجلات الصحية، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، ورصد الإشارات المبكرة للمخاطر، بما يدعم سرعة استجابة الجهات التنظيمية، ويساعد على تحديث المعلومات الدوائية، وتعزيز الإجراءات الوقائية لحماية المرضى.
كما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي عنصرًا داعمًا للممارسة الطبية اليومية، من خلال المساعدة في اكتشاف التداخلات الدوائية، ومراجعة الجرعات، والتنبيه إلى عوامل الخطورة، ودعم القرار السريري. وتسهم هذه التطبيقات في تعزيز دقة القرارات العلاجية، وتقليل الأخطاء الدوائية، وتحسين جودة الرعاية الصحية، مع بقاء القرار الطبي مسؤولية الممارس الصحي.
وتؤكد الوكالة الأوروبية للأدوية ومنظمة الصحة العالمية أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي يرتبط بحوكمة واضحة، وجودة البيانات، والشفافية، والرقابة البشرية المستمرة، بما يعزز الثقة في التطبيقات الصحية، ويجعل سلامة المريض محورًا لجميع مراحل التطوير والاستخدام.
ويعكس المشهد السعودي هذا التوجه العالمي بصورة واضحة، فقد أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء منح ترخيص تسويق لتطبيق طبي رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يستطيع قياس معدل نبض القلب، وتشبع الأكسجين في الدم، وضغط الدم باستخدام كاميرا الهاتف الذكي. وتعكس هذه الخطوة تطور البيئة التنظيمية السعودية في تقييم واعتماد الحلول الصحية الرقمية، وترسخ دور الذكاء الاصطناعي في دعم الرعاية الوقائية وتمكين المرضى من متابعة مؤشراتهم الصحية ضمن إطار علمي ورقابي يضع سلامة المريض في مقدمة الأولويات.
ويمتد هذا الحراك إلى القطاع غير الربحي، الذي يشارك في بناء منظومة الابتكار الصحي من خلال نشر المعرفة، وبناء الشراكات، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتشجيع البحث والتطوير، ومن المبادرات الوطنية في هذا المجال جمعية بالذكاء الاصطناعي نبتكر الدواء، التي تعمل على دعم الابتكار الدوائي، ودعم توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث والتطوير والرعاية الصحية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء قطاع صحي أكثر كفاءة واستدامة.
وتؤكد التجارب العالمية أن مستقبل الرعاية الصحية يقاس بقدرة الأنظمة الصحية على حماية الإنسان في كل مرحلة من رحلته العلاجية. ويمنح الذكاء الاصطناعي اليوم فرصة نوعية لتحقيق هذا الهدف، من خلال تطوير أدوية أكثر أمانًا، ودراسات سريرية أكثر دقة، ورقابة تنظيمية أكثر كفاءة، ورعاية صحية أكثر استجابة لاحتياجات المرضى، وعندما تتكامل التقنية مع البحث العلمي، والرقابة التنظيمية، والخبرة البشرية، يصبح الابتكار الصحي قيمة تقاس بعدد المرضى الذين حمتهم التقنية، وجودة الحياة التي أسهمت في تحسينها، والثقة التي عززتها في منظومة الرعاية الصحية.