جانبي فروقة
قبل أربعين عامًا لم تكن بام وودال Pam Woodall محررة الاقتصاد السابقة في مجلة The Economist تبحث عن نظرية اقتصادية جديدة بل لمعت الفكرة برأسها كما وصفتها لاحقًا «بلحظة حوض استحمام Bathtub Moment والتي تنسب لأرخميدس» وهي إذا كانت شطيرة «بيغ ماك» تُصنع تقريبًا بالطريقة نفسها في عشرات البلدان فلماذا يختلف سعرها بهذا الشكل الكبير من بلد إلى آخر؟ ومن هذه الملاحظة البسيطة وُلد عام 1986 مؤشر بيغ ماك - Big Mac Index كمزحة صحافية كان يفترض أن تعيش عددًا واحدًا من المجلة فإذ بها تبقى أربعة عقود وتدخل كتب الاقتصاد وتنتج عشرات الدراسات الأكاديمية. والفكرة التي يقوم عليها المؤشر ليست ساخرة على الإطلاق بل هي نسخة مبسطة من نظرية تعادل القوة الشرائية Purchasing Power Parity (PPP) التي صاغها الاقتصادي السويدي غوستاف كاسل Gustav Cassel في بدايات القرن العشرين حيث إن قيمة العملة في النهاية لا تساوي الرقم المكتوب عليها بل ما تستطيع شراءه بها فسعر «بيغ ماك» في الولايات المتحدة يبلغ 6.22 دولارات لكنه يصل بعد تحويل العملات إلى نحو9.04 دولارات في سويسرا وينخفض إلى 2.42 دولار في تايوان وبحساب القوة الشرائية يرى المؤشر أن الفرنك السويسري أعلى من قيمته بنحو 45 في المائة في حين يبدو الدولار التايواني أقل من قيمته بأكثر من 60 في المائة فشطيرة واحدة تكشف هنا شيئًا من التشوهات التي تخفيها شاشات أسواق العملات لكن الجمال الحقيقي للمؤشر يكمن في أن البرغر ليس مجرد لحم وخبز وصلصة بل هو اقتصاد صغير قابل للأكل وتحت الغطاء العلوي للخبز تختبئ أجور العمال والإيجارات والطاقة والزراعة والنقل والضرائب والتنظيمات وتظهر دراسة أوردتها The Economist أن العمالة شكّلت تاريخيًا نحو 45.6 في المائة من التكلفة في حين تختلف الإيجارات بشدة من دولة إلى أخرى واللحم البقري في سويسرا مثلًا قد يكلف 2.7 مرة نظيره في تايوان وكانت الصحفية وودال قد علقت بعبارة ربما تكون أفضل تعريف للمؤشر وهي أن «الفكرة تستحق أن تؤخذ بجدية أما الأرقام فلا ينبغي أن نحمّلها أكثر مما تحتمل» لكن بعد أربعين عامًا أصبح هناك سؤال أكثر إثارة من قيمة العملة وهو هل السعر المكتوب على البرغر يعكس أصلًا تكلفته الحقيقية؟ وهنا تبدأ قصة مختلفة وهي قصة نظام غذائي عالمي يترنح ونحن نتناول الغذاء فوقه دون أن ننتبه فحسب التقارير وصل سعر رطل اللحم البقري المفروم في الوليات المتحدة 6.69 دولارات في ديسمبر 2025 مرتفعًا 19.3 في المائة خلال عام واحد ونحو 72 في المائة منذ 2020 وفي الوقت نفسه تراجع عدد قطيع الأبقار الأميركي إلى 86.2 مليون رأس وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ نحو 75 عامًا وهذه التراجع مرده إلى سنوات الجفاف والأمراض والأوبئة وانكماش العرض بينما يتجه سكان العالم من ثمانية مليارات اليوم نحو عشرة مليارات في منتصف القرن الحالي وتزداد شهية الطبقات الوسطى الصاعدة للبروتين والنتيجة فاتورة تتضخم. عندما تذهب لتشتري بيغ ماك فأنت تدفع قيمتها 6.69 دولار في أمريكا لكن هذه في الحقيقة ليست سوى الفاتورة الأولى من ثلاثة فواتير فالسعر الذي تدفعه عند الكاشير هو أصغر ما تدفعه مقابل تلك الشطيرة أما الفاتورة الثانية فهي تصلك متنكرة في صورة ضرائب فوفق المعهد الأميركي للأبحاث الاقتصادية تنفق الحكومة الفيدرالية الأميركية نحو 38 مليار دولار سنويًا لدعم صناعتي اللحوم والألبان وتشير أبحاث المعهد إلى أن سعر شطيرة «بيغ ماك» الحقيقي لولا هذا الدعم كانت ستقارب 13 دولارًا بدل خمسة وأن رطل لحم الهامبرغر كان سيكلف نحو 30 دولارًا أي أن المستهلك يدفع ثمن البرغر مرتين مرة عند الشراء ومرة في اقتطاعات راتبه والمفارقة أن الدولة التي ترفع راية السوق الحرة تُبقي أسعار اللحوم منخفضة اصطناعيًا بأموال دافعي الضرائب أنفسهم أما الفاتورة الثالثة فيدفعها الكوكب وهي الأثقل على الإطلاق وفي تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز في سبتمبر 2024 عن التكاليف البيئية الخفية للغذاء تبيّن أن حصة اللحم البقري التي يبلغ سعرها 5.34 دولارات تخلّف أضرارًا بيئية تعادل 22 دولارًا أي أربعة أضعاف سعرها المعلن بينما لا تتجاوز النسبة نفسها 51 في المائة للحمص و9 في المائة للتوفو وحين وسّعت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» العدسة لتشمل النظام الغذائي العالمي كله قدّرت تكاليفه الخفية من أعباء صحية وخسائر إنتاجية وأضرار بيئية بنحو 12.7 تريليون دولار. وخلف البرغر تقف سلاسل إمداد Supply Chains طويلة تبدأ قبل ولادة البقرة نفسها من بذور تزرع ومحاصيل تسقى وأعلاف تنتج وحيوانات تربى ثم مسالخ وتبريد وشاحنات وموانئ وحدود ومخازن ومطاعم وكلما طالت السلسلة زادت نقاط ضعفها حيث قد تتعرض للجفاف كما يحدث في بعض المناطق في أميركا وإنفلونزا طيور في آسيا وحرب تجارية أو إغلاق ميناء في منطقة أخرى أو إغلاق مضائق فحدث واحد يكفيحيانًا ليبدأ تأثير الدومينو وهنا يتحول البرغر من مؤشر للعملة إلى مؤشر لهشاشة النظام الغذائي نفسه وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها أيضا فنحو 80 في المائة من الأراضي الزراعية العالمية ترتبط بتربية الحيوانات بينما يأتي منها قرابة 17 في المائة فقط من السعرات الحرارية التي يحصل عليها البشر والمشكلة أن السعر في المطعم لا يسجل كامل كلفة الأرض والمياه والانبعاثات والمخاطر الصحية لذلك عندما قدرت منظمة الأغذية والزراعة FAO التكاليف الخفية للنظام الغذائي العالمي من أضرار صحية وبيئية وخسائر إنتاجية وصلت التقديرات الواردة في الملف إلى نحو 12.7 تريليون دولار هذه ليست أرقامًا في تقرير إنها الفارق بين ما يظهر على قسيمة الشراء وما يُخصم من مستقبلنا، نحن اعتدنا النظر إلى سعر الغذاء Food Price بينما السؤال الأكثر أهمية هو التكلفة الحقيقية للغذاء True Cost of Food وهذا الفارق مهم اقتصاديًا وجيوسياسيًا فالبلد الذي يعتمد على استيراد معظم غذائه قد يكون غنيًا بالدولارات لكنه ضعيف أمام حرب أو جفاف أو تعطّل طريق بحري والأمن الغذائيFood Security لم يعد مسألة إنتاج محلي فقط بل قدرة على تغيير الموردين وتنويع مصادر البروتين وتخفيض الهدر وتوطين تقنيات زراعية حديثة كالزراعة المائية وإعادة صياغة المنتجات عندما تصبح مادة خام نادرة أو باهظة الثمن إنها قبل كل شيء مسألة مرونة Resilience وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (AI) إلى قصة البرغر فمثلا عندما يرتفع سعر أحد المكونات لمنتج في شركة غذائية فجأة 30 في المائة ففي النموذج القديم تحتاج الشركة إلى أسابيع أو أشهر لتجربة بدائل وتقدير تأثيرها على الطعم والقيمة الغذائية والتكلفة أما في النموذج الجديد يمكن للذكاء الاصطناعي تضييق آلاف الاحتمالات خلال ساعات لذلك اعتماد برنامج للذكاء الاصطناعي AI يشتري لك زمنًا ومرونة وقدرة على الصمود وترى إليزابيث ألفانو (Elysabeth Alfano) المستشارة في تحول الأنظمة الغذائية والمتحدثة في مؤتمرات المناخ أن تنويع مصادر البروتين بنسبة 20 في المائة فقط يكفي لتخفيف الضغط على فاتورة المناخ وتدعو للتركيز على البروتينات النباتية وبروتينات مخمّرة (Precision Fermentation) بتقنية لا تختلف جوهريًا عن تخمير الخبز ولحوم هجينة ولحوم مستزرعة (Cultivated Meat) ويقدّر البنك الدولي أن 450 إلى 650 مليار دولار سنويًا ستتجه إلى الابتكر الغذائي مقابل نحو ثلاثة تريليونات يتطلبها تحول الطاقة وفق روبرت بارنيت (Robert Barnett) من «بلومبرغ». وتختصر ألفانو الدافع ببرود: الطريق إلى إطعام الناس لن يُمهَّد بالاعتبارات الأخلاقية وحدها وهنا تكتمل الدائرة فقد نجح مؤشر البرغر لأن الشطيرة كانت بتعبير الاقتصادية السابقة في صندوق النقد لي ليان أونغ (Li Lian Ong) أقرب ما يكون إلى السلعة العالمية المثالية لكن هذه المثالية تتآكل من ثلاث جهات: اللحم يرتفع سعره لأسباب بنيوية والعمالة التي تشكّل نصف السعر تدخل عصر الأتمتة والماء والكهرباء (البند الصغير قديمًا) يتحوّلان إلى ساحة تنافس مباشر بين مزارعنا ومراكز بياناتنا وهنا تظهر قوة البيانات الضخمة Big Data بوصفها المادة الخام الجديدة للغذاء فبيانات الطقس والمحاصيل والأسعار والمستهلكين لم تعد مجرد معلومات بل وقود لقرارات أسرع وأكثر دقة وهكذا ستدخل مراكز البيانات بصمت إلى قلب المزرعة. وهنا يمكننا طرح فكرة مثيرة وهي الارتقاء بمفهوم تعادل القوة الشرائية إلى ما أدعوه تعادل القوة البروتينية (Protein Power Parity) حيث نتوقف عن سؤال «كم شطيرة تشتري عملتك؟» ونبدأ بسؤال «كم غرامًا من البروتين ينتجه اقتصادك مقابل كل كيلوواط/ساعة ومتر مكعب ماء وهكتار أرض؟ فمؤشر بيغ ماك الأول يقيس سعر العملة وأما مؤشر تعادل القوة البروتينية الثاني سيقيس مناعة الدولة وبهذا المقياس تتبدّل خريطة القوة فبلد بلا أراضٍ زراعية قد يكون قويًا بروتينيًا إن ملك الطاقة والتقنية وبلد شاسع الأراضي قد يكون هشًّا إن مرّت كل سعرة يأكلها شعبه عبر ثماني حلقات وحدود وبحر والذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة لن يكون المنتج للغذاء بل سعر الصرف الجديد بين الطاقة والغذاء فكلما ارتفعت كفاءته انخفضت الكيلوواطات واللترات اللازمة لغرام البروتين وارتفعت قيمة عملتك الحقيقية لا في سوق الصرف بل على مائدتك.
قبل أربعين عامًا اكتشفت مجلة إنجليزية أن بإمكانك قياس العالم بشطيرة بيرغر واليوم صارت الشطيرة نفسها تحتاج إلى من يقيسها والسؤال الذي يستحق أن نسأله ليس: كم يساوي البرغر بالدولار؟ بل: من سيملك في العقد المقبل أرخص وصفة لتحويل الكهرباء إلى بروتين؟
** **
- كاتب أمريكي