د. هبة توفيق أبو عيادة
ليس كل من ابتعد عنك عدوًا، وليس كل من خالفك خصمًا، وليس كل من اختار طريقًا مختلفًا منك يستحق أن ترفع في وجهه راية الحرب. فبعض الناس بلغوا من عزة النفس مبلغًا جعلهم أكبر من الخصومة، وأرقى من الجدال، وأهدأ من أن يدخلوا كل معركة تُفتح أمامهم.
عزيز النفس لا يعادي؛ لأنه يعرف جيدًا أن العداوة تستنزف الإنسان قبل أن تؤذي خصمه. يعرف أن كثرة الخصومات تُثقِل القلب، وتسرق العمر، وتحوّل الإنسان إلى مراقب دائم للآخرين: ماذا قالوا؟ ماذا فعلوا؟ ماذا كتبوا؟ ومن وقف معهم؟ ومن ابتعد عنهم؟ بينما الحياة تمضي، والعمر لا ينتظر أحدًا.
عزيز النفس لا يحتاج إلى أن ينتصر في كل نقاش، ولا أن يثبت للناس أنه الأفضل، ولا أن يرد على كل كلمة قيلت بحقه. فهو يدرك أن بعض الردود تمنح الكلام قيمة لا يستحقها، وأن بعض المعارك لا يوجد فيها منتصر، وإنما يوجد فيها طرفان خسر كل منهما شيئًا من راحته وكرامته ووقته.
وقد يظن البعض أن الصمت ضعف، وأن التغاضي عجز، وأن الانسحاب من الخصومة خوف. والحقيقة أن الإنسان القوي هو الذي يستطيع أن يملك غضبه عندما يكون قادرًا على الرد، وأن يختار الصمت عندما يكون قادرًا على الكلام، وأن يغادر المكان الذي لا يشبه قيمه دون أن يحوّل خروجه إلى فضيحة أو معركة.
عزيز النفس لا يعادي حتى من أساء إليه، ليس لأنه يبرر الإساءة أو يقبل الظلم، وإنما لأنه يعرف الفرق بين حفظ الحق وحمل الكراهية. قد يضع حدًا واضحًا لمن تجاوز عليه، وقد يقطع علاقة مؤذية، وقد يرفض اعتذارًا لا يثق به، وقد يستعيد حقه بكل الطرق المشروعة، لكنه لا يجعل الانتقام أسلوب حياة.
هناك فرق كبير بين أن تحمي نفسك وأن تعيش في حالة حرب دائمة. حماية النفس تعني أن تعرف حدودك، وأن تقول «لا» عندما يلزم، وأن تبتعد عن المؤذي، وأن تختار من يستحق أن يكون قريبًا منك. أما العداوة فهي أن تجعل شخصًا آخر يحتل مساحة كبيرة من تفكيرك، حتى بعد أن يخرج من حياتك.
ولذلك فإن بعض أذكى الانتصارات في الحياة لا تكون بكلمة قاسية، ولا بمنشور ساخر، ولا بكشف أسرار الآخرين، ولا بمحاولة تشويه صورتهم أمام الناس. أحيانًا يكون أعظم انتصار أن تكمل طريقك وكأنك لم تُخلق لتعيش في معركة مع أحد.
عزيز النفس لا ينافس على كل شيء. لا يغار من نجاح الآخرين، ولا يشعر بالنقص حين يرى شخصًا يمتلك أكثر منه. يعرف أن رزق الآخرين لا ينتقص من رزقه، وأن نجاح غيره لا يلغي نجاحه، وأن لكل إنسان توقيته وظروفه ومساره. ولهذا لا تراه يفرح بسقوط أحد، ولا يبحث عن عثرات الناس ليشمت بها، ولا يجمع أخطاء الآخرين ليستخدمها يومًا ضدهم. فهو مشغول ببناء نفسه أكثر من انشغاله بهدم الآخرين. وقد تكون أجمل علامة على نضج الإنسان أن يصبح قادرًا على مغادرة بعض العلاقات دون كراهية، وبعض الأماكن دون ضجيج، وبعض النقاشات دون انتصار، وبعض الأشخاص دون رغبة في الانتقام.
ليس مطلوبًا منك أن تكون محبوبًا من الجميع، كما أنه ليس مطلوبًا أن تجعل الجميع أعداءك. ستختلف مع أشخاص، وسيختلف معك آخرون. ستجد من لا يفهمك، ومن يسيء تفسير نواياك، ومن يحكم عليك من موقف واحد، ومن يختار أن يبتعد عنك دون أن تعرف السبب. دعهم. ولا تجعل حياتك محكمة دائمة تبحث فيها عن براءتك أمام الجميع. فهناك أشخاص لن يقتنعوا بك مهما شرحت، وهناك من قرر موقفه منك قبل أن يسمعك أصلًا. ومحاولة إرضاء الجميع ليست دليلًا على حسن الخلق، بل قد تكون استنزافًا مستمرًا للذات.
عزيز النفس يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يواجه، ومتى يغادر. يعرف أن الكرامة ليست في رفع الصوت، وأن القوة ليست في كثرة الأعداء، وأن الهيبة لا تُبنى بالخوف الذي تزرعه في الآخرين، وإنما بالاحترام الذي تتركه في نفوسهم. وإذا أخطأت، يعتذر. وإذا ظُلم، يطالب بحقه. وإذا خسر شخصًا عزيزًا، يحزن، لكنه لا يحوّل حزنه إلى كراهية. وإذا انتهت علاقة، لا يوزع أسرارها في المجالس، ولا يجعل من الطرف الآخر قصة للتشهير. فما أجمل أن يخرج الإنسان من حياة الآخرين نظيف القلب، حتى لو خرج موجوعًا. عزيز النفس لا يعادي؛ لأنه يعرف أن عمره أثمن من أن ينفقه في الخصومات، وأن قلبه أكرم من أن يسكنه الحقد، وأن مستقبله أكبر من أن يعلقه على أشخاص أساؤوا إليه.
وفي الختام قارئنا الكريم ليست العظمة أن يكون لك أعداء كثيرون، ولا أن يخافك الناس، ولا أن تنتصر في كل مواجهة. العظمة الحقيقية أن تكون قادرًا على الرد، ثم تختار ما يليق بك؛ قادرًا على الانتقام، ثم تختار التسامح حين يكون التسامح حكمة؛ وقادرًا على الدخول في المعركة، ثم تدرك أن بعض المعارك لا تستحق حتى أن تخطو نحوها. فعزيز النفس لا يعادي أحدًا، لكنه يعرف جيدًا من يستحق أن يبقى، ومن يستحق أن يبتعد، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف انتصار.