ثامر بن سعران السبيعي
لحظة تحوّل في الخطاب الدولي حول المياه..
في العشرين من يناير عام 2026، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً حمل عنواناً لم يعتده الخطاب الدولي المعتاد حول قضايا البيئة والموارد: «الإفلاس المائي العالمي». لم يكن اختيار هذا المصطلح، المستعار عمداً من عالم المال والاقتصاد، عابراً.
أوضح التقرير أن مصطلحي «الإجهاد المائي» و«أزمة المياه»، اللذين هيمنا على الأدبيات الدولية لعقود، لم يعودا كافيين لوصف واقع جديد تماماً: أنهار وبحيرات وخزانات جوفية وأراضٍ رطبة وأنهار جليدية عديدة حول العالم تجاوزت ما يُعرف بـ«نقاط التحول»، أي أنها لن تعود إلى مستوياتها التاريخية مهما طال الزمن. الضرر، بحسب التقرير، لم يعد مؤقتاً قابلاً للعلاج، بل بات دائماً.
الأرقام التي استند إليها هذا الإعلان صادمة بمقاييس أي أزمة عالمية معلنة سابقاً: أكثر من ملياري إنسان يفتقرون اليوم لمياه شرب تُدار بأمان، وثلاثة مليارات ونصف المليار شخص يفتقرون لخدمات صرف صحي آمنة، ونحو أربعة مليارات إنسان يعانون ندرة مائية شديدة لشهر واحد على الأقل كل عام.
أكثر من نصف البحيرات الكبرى في العالم انخفضت مستوياتها منذ مطلع التسعينيات، وفُقد نحو 35 % من الأراضي الرطبة الطبيعية منذ سبعينيات القرن الماضي، بينما تُظهر 70 % من طبقات المياه الجوفية الرئيسية عالمياً انخفاضاً مستمراً طويل الأمد.
وقد تناول تحليل اقتصادي متخصص، نُشر في الحادي والعشرين من أبريل 2026 استناداً إلى معطيات تقرير جامعة الأمم المتحدة نفسه، البعد المالي لهذا الإفلاس بلغة أكثر تحديداً: القيمة الاقتصادية السنوية للمياه والنظم البيئية العذبة عالمياً تبلغ نحو 58 تريليون دولار، أي ما يعادل 60 % من الناتج المحلي الإجمالي للعالم بأسره. ويحذر التحليل من أن نحو 46 % من هذا الناتج قد يعتمد بحلول عام 2050 على مناطق معرضة لمخاطر مائية مرتفعة، مقارنة بعُشر هذه النسبة فقط اليوم. التكلفة السنوية الحالية للجفاف وحده تُقدَّر بـ307 مليارات دولار. وقد نوقشت هذه الأرقام في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، تحت وصف غير رسمي تداوله المراقبون: «دافوس الأزرق» — لكن الملاحظة الأهم التي رصدها التحليل نفسه أن هذا النقاش، رغم ثقله، لم يُترجَم بعد إلى إعادة تسعير فعلية لمخاطر المياه ضمن الأصول والسلع والعملات، وتحديداً ضمن تقييم مخاطر السندات السيادية للدول الأكثر تعرضاً لهذه الأزمة، ما يعني أن الأسواق المالية العالمية لا تزال، حتى اليوم، متأخرة عن استيعاب حجم الخطر الموصوف رسمياً، وتتعامل معه كخطر بيئي بعيد الأمد لا كمخاطرة سيادية ومالية آنية تستحق التسعير الفوري.
الاستجابة السعودية: من متابعة الأزمة إلى قيادة الحل
في هذا السياق الدولي المضطرب، جاء إعلان المملكة العربية السعودية، عبر قرار مجلس الوزراء الذي أعلنته وكالة الأنباء السعودية «واس» بتاريخ 29 يوليو 2026، بتسمية عام 2027 «عام الماء»، ليمثل استجابة استباقية لا رد فعل متأخر. أكد معالي وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي، في تصريحه الرسمي، أن هذه التسمية تعكس المكانة الريادية للمملكة في قطاع المياه، وتدعم مستهدفات رؤية 2030، وتعزز دور المملكة في قيادة الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة تحديات المياه.
وفي اليوم التالي مباشرة، أوضح معالي نائب وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس منصور المشيطي أن هذه التسمية تمثل فرصة وطنية لإبراز نجاحات المملكة في القطاع، وتسريع تنفيذ المبادرات الوطنية، وتحفيز الابتكار والاستثمار والشراكات النوعية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 والهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الأممية. واستشهد معاليه بإنجاز رقمي ملموس يعكس أن هذا التوجه ليس شعاراً مجرداً: مبادرات خفض الاستهلاك وبرامج الكشف عن التسربات حققت وفورات مائية تبلغ نحو أربعين ألف متر مكعب يومياً في القطاعين الحكومي والسكني، وأسهمت في خفض هدر المياه بما يتجاوز مليوناً وأربعمائة ألف متر مكعب.
ويأتي هذا كله في سياق مبادرة أوسع أشار إليها معالي الوزير، هي مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتأسيس المنظمة العالمية للمياه ومقرها الرياض - منصة دولية دائمة صُممت لتوحيد الجهود وتبادل الخبرات وتعزيز الابتكار والبحوث في قطاع المياه عالمياً. ويتزامن هذا مع استضافة الرياض للمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في مارس 2027، وهي المرة الأولى التي تستضيف فيها المملكة هذا الحدث العالمي الكبير.
القضايا الدولية: مضائق تتحول إلى ساحات صراع فعلية
بينما تُعلن المملكة توجهها الاستباقي، يشهد العالم من حولها تصاعداً غير مسبوق في المخاطر المرتبطة بالمياه والممرات المائية الحيوية، بما يجعل توقيت «عام الماء» أكثر إلحاحاً مما قد يبدو للوهلة الأولى.
مضيق هرمز بات، اعتباراً من الثاني من مارس 2026، مغلقاً بشكل شبه كامل أمام حركة الملاحة، بعد موجة تصعيد عسكري مباشر شملت ضربات على أهداف داخل إيران. وفي الحادي عشر من يونيو 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق أمام جميع السفن، بينما أصرت واشنطن على أنه لا يزال مفتوحاً أمام حركة العبور. وبحلول منتصف يوليو 2026، هبطت حركة الملاحة عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها منذ مايو من العام نفسه، إذ لم تعبره خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة سوى أقل من عشر سفن لنقل السلع الأساسية، مقارنة بأكثر من مئة سفينة تجارية يومياً في الظروف الاعتيادية.
وفي المقابل، يحذر خبراء الشحن والطاقة من أن الخطر الأكبر قد يأتي هذه المرة من مضيق باب المندب، لا هرمز. تشير بيانات نقلتها وكالة بلومبرغ إلى أن ما بين 12 % و15 % من التجارة العالمية يمر عبر هذا المضيق، ونحو 30 % من تجارة الحاويات عالمياً، وأكثر من تريليون دولار من البضائع سنوياً، إضافة إلى نحو 10 % من تجارة النفط المنقولة بحراً. وفي الثامن من يونيو 2026، هدد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق باب المندب إن لم توقف إسرائيل حربها على لبنان — وهو تهديد يكشف كيف تحوّلت الممرات المائية إلى أدوات ضغط في صراعات لا علاقة مباشرة لها بالمياه أصلاً.
الأخطر من ذلك، بحسب شركات رصد حركة الشحن العالمية، هو تصاعد احتمالية ما يُوصف بـ«الاختناق المزدوج»، أي تعطل هرمز وباب المندب في آن واحد. في يوم واحد فقط، الحادي والعشرين من يوليو 2026، انخفضت حركة الملاحة في هرمز بنسبة 31 % وفي باب المندب بنسبة 34 % مقارنة باليوم السابق مباشرة.
ويوضح محللون اقتصاديون أن الفارق الوظيفي بين المضيقين يجعل تعطلهما معاً أشد خطورة من مجموع تأثير كل منهما منفرداً: هرمز مرتبط أساساً بإمدادات الطاقة، بينما يمثل باب المندب شرياناً أساسياً لسلاسل التوريد العالمية للسلع، فتتضاعف التأثيرات الاقتصادية حين يتعطل الاثنان معاً، لا تُجمع فقط. وقد انعكس هذا التوتر مباشرة على أسواق الطاقة، حيث اقترب سعر خام برنت من مئة دولار للبرميل خلال تعاملات الأسابيع الأخيرة.
أما على الجبهة الأفريقية، فقد تحوّلت أزمة سد النهضة الإثيوبي من خلاف دبلوماسي ممتد لأكثر من عقد إلى أزمة إنسانية مباشرة وملموسة. في يوليو 2026، شهد السودان ما وُصف بأنه أزمة مياه حادة غير مسبوقة: انحسار كبير في منسوب النيل الأزرق في الخرطوم ومناطق واسعة، أدى إلى خروج محطات مياه الشرب عن الخدمة وتراجع إنتاجها بنسبة تصل إلى النصف. ورصدت وزارة الري السودانية انخفاضاً حاداً في الوارد اليومي لخزان الروصيرص، الذي يبعد نحو مئة كيلومتر فقط عن سد النهضة، من مئتين وسبعة ملايين متر مكعب يومياً إلى مئة وتسعة وعشرين مليوناً خلال ثلاثة أيام فقط من يوليو 2026 - أي نقص يتجاوز ستة وسبعين مليون متر مكعب يومياً. وبينما حافظ السودان رسمياً على موقف الحياد، عبّرت مصر عن قلق مباشر إزاء حصتها المائية، في وقت واصلت فيه إثيوبيا، عبر تصريحات وزير مياهها وطاقتها أواخر يوليو 2026، وصف السد بأنه رمز للتعاون الأفريقي لا تهديداً لدول حوض النيل - وصف يتناقض بوضوح مع الأثر الميداني الموثق في السودان. ويجمع خبراء العلاقات الدولية على أن أي حل مستدام يتطلب التوصل لاتفاق إطاري قانوني ملزم بين الأطراف الثلاثة، لا يزال غائباً رغم عقد كامل من المفاوضات المتقطعة.
وتُضيف تقارير أممية اقتصادية بُعداً آخر لهذا المشهد الدولي: ثلاثة نزاعات مائية تُعد الأخطر عالمياً تتصاعد بالتوازي في اللحظة نفسها - حوض النيل بين مصر وإثيوبيا والسودان، وحوض نهر السند بين الهند وباكستان، ونهر كولورادو بين الولايات المتحدة والمكسيك. كل واحد من هذه النزاعات يحمل تبعات مباشرة على الناتج المحلي والأمن الغذائي والاستقرار السيادي لأطرافه.
الموقع السعودي: استقرار في قلب الاضطراب
يكتسب توجه المملكة نحو «عام الماء» بُعداً استراتيجياً أعمق حين يُقرأ في ضوء موقعها الجغرافي وسط هذا الاضطراب الإقليمي المباشر. فالمملكة ليست مراقباً بعيداً لأزمات هرمز وباب المندب، بل طرف متأثر مباشرة بأي اضطراب فيهما، نظراً لاعتماد جزء من صادراتها النفطية على باب المندب كممر بديل استراتيجي حين تتعطل حركة هرمز. بيانات الشحن السعودية نفسها التي تابعتها شبكات إخبارية دولية توثّق تراجع الحركة الملاحية في البحر الأحمر عقب التصعيد الأخير، ما يجعل استضافة الرياض للمنتدى العالمي للمياه ليست مجرد فعالية تنظيمية، بل بياناً إستراتيجياً: أن يكون الاستقرار المائي والملاحي أساساً يُبنى عليه، لا تحدياً يُدار بردود أفعال متأخرة.
من الاستضافة إلى الاستدامة: لماذا يحتاج العالم مرصداً مائياً لحظياً لا تقارير دورية
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يفرضه هذا المشهد المتشابك بأكمله: كيف يمكن لأي جهة، وطنية كانت أم دولية، أن تدير ملفاً بهذا التعقيد والتسارع، حين تُظهر البيانات أن مؤشرات حرجة (كانخفاض واردات خزان مائي بمقدار الثلث خلال ثلاثة أيام فقط، أو انخفاض حركة ملاحية في مضيق إستراتيجي بأكثر من الثلث خلال يوم واحد) تتغير بوتيرة تفوق قدرة أي تقرير ربع سنوي تقليدي على رصدها في وقتها؟
الإجابة التي يتقاطع عليها خبراء إدارة المخاطر الدوليون اليوم واضحة: النموذج التقليدي القائم على التقارير الدورية والمتوسطات العامة لم يعد كافياً في بيئة بهذا المستوى من التسارع. حين يعتمد صانع القرار على تقرير يصدر كل ثلاثة أشهر، فإنه فعلياً يقرأ صورة عن واقع تغيّر جوهرياً منذ زمن كتابة ذلك التقرير. الأزمات المائية والملاحية، كما أظهرت أحداث 2026 بوضوح شديد، لا تتراكم دائماً ببطء يسمح بالرصد المريح؛ بعضها ينفجر خلال أيام أو حتى ساعات.
من هنا تنبع الحاجة الملحّة لما يمكن تسميته «المرصد المائي اللحظي»: منظومة مراقبة لا تكتفي بجمع البيانات وتلخيصها دورياً، بل تراقب التدفقات - سواء كانت تدفقات مياه فعلية في الأنهار والخزانات، أو تدفقات ملاحية في المضائق الاستراتيجية، أو تدفقات استهلاك واستنزاف على المستوى الوطني - بشكل مستمر ومتصل بمسار العمل نفسه، لا بمعزل عنه.
ولا يكفي أن يكون هذا المرصد سريعاً وحسب؛ فالسرعة وحدها قد تُغرق صانع القرار بكم هائل من البيانات غير الموجّهة. الأهم أن يعتمد المرصد على منطق ذكي في تحديد الأولويات: التمييز بين المؤشرات التي تُظهر انحرافاً بسيطاً قابلاً للاستيعاب، وتلك التي تكشف عن نقطة تحول حرجة لا رجعة عنها إن لم تُعالَج فوراً - تماماً كما ميّز تقرير جامعة الأمم المتحدة بدقة بين «أزمة مؤقتة» و«إفلاس دائم» في وصفه لحالة المسطحات المائية عالمياً. مؤشر أداء ذكي حقيقي في هذا السياق لا يكتفي بقياس «متوسط» حالة المياه في منطقة ما، لأن هذا المتوسط قد يُخفي بسهولة انهياراً حاداً في نقطة واحدة حرجة بينما يبدو المشهد العام مطمئناً على الورق. المؤشر الذكي يسأل بدلاً من ذلك: أي نقطة في هذه المنظومة، لو تعطلت، ستُحدث أثراً غير قابل للتعويض على ما حولها؟ وكيف نرصدها لحظة بلحظة، لا شهراً بعد شهر؟
وهذا النوع من المراقبة الاستباقية ليس فكرة نظرية بعيدة عن أدوات التنفيذ القائمة فعلياً؛ فالمنظمة العالمية للمياه، بوصفها منصة دولية دائمة لا فعالية موسمية، تمثل الإطار المؤسسي الطبيعي الذي يمكن أن يحتضن مثل هذا المرصد ويحوّله من مقترح إلى واقع تشغيلي مستمر، لا يتوقف عند اختتام المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في مارس 2027. فما يميز المنتدى عن أي حدث سابق مشابه هو تزامنه مع وجود جسم مؤسسي دائم قادر على متابعة تنفيذ توصياته على مدار العام، لا الاكتفاء ببيان ختامي يُنسى بعد أشهر قليلة كما جرت العادة في مؤتمرات دولية سابقة حول المياه.
خاتمة: من التوثيق إلى الاستباق
المسافة بين «الإفلاس المائي العالمي» الذي أعلنته الأمم المتحدة في يناير 2026، وبين «عام الماء» الذي تستعد له المملكة في 2027، ليست مجرد تسلسل زمني عابر. هي، في جوهرها، مسافة بين مقاربتين مختلفتين تماماً لإدارة أزمة واحدة: مقاربة توثّق الانهيار بعد وقوعه بلغة مالية صادمة («إفلاس»)، ومقاربة تسعى لبناء قدرة استباقية تمنع وصول الأزمة لتلك النقطة أصلاً. وبينما تتصارع المضائق البحرية والأحواض النهرية حول العالم على الموارد والممرات، يبقى السؤال الأهم أمام أي جهة تسعى لقيادة هذا الملف دولياً: هل ستكتفي بقياس ما حدث، أم ستبني الأدوات التي تكتشف ما هو آتٍ قبل أن يقع؟
** **
- باحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية ومطوّر أطر منهجية لقياس المخاطر الإستراتيجية.