أ.د.عثمان بن صالح العامر
في الخامس من يوليو الشهر المنصرم احتفت الكرة الأرضية قاطبة بما يُسمّى باليوم العالمي لمدمني العمل؛ يوم توعوي يلفت الانتباه إلى أولئك الذين ابتلعتهم مسؤولياتهم المهنية، حتى أصبح العمل بالنسبة لهم أكثر من وظيفة، وأقرب إلى حالة من الاستغراق الكامل الذي لا يترك للحياة الاجتماعية والنفسية إلا الفتات. وفي المقابل، يمر العالم يوم الاثنين العاشر من شهر أغسطس بـ(يوم الكسل)!. وهنا تستوقفني المفارقة.
أن نحتاج إلى يوم نُحذّر فيه من الإفراط في العمل، ثم نحتاج إلى يوم آخر للاحتفاء بالكسل، وكأن الإنسان الحديث يتأرجح بين طرفين لا ثالث لهما: أن يعمل حتى ينسى أنه إنسان، ترس في آلة، أو أن يستريح حتى ينسى أن عليه أن يعمل!.
ولا أظن أن هذه الثنائية تنسجم تمامًا مع العقلية الغربية التي بنت جانبًا كبيرًا من فلسفتها الحديثة على قيم الإنتاج، والانضباط، والإنجاز، وإدارة الوقت، وتعظيم الكفاءة. فكيف أصبح العمل الذي كان معيارًا للنجاح والتقدم مشكلة تحتاج إلى يوم للتوعية؟ وكيف تحول الكسل، الذي كان في المخيال الإنتاجي نقيضًا للإنجاز، إلى مناسبة تستحق الاحتفاء؟.
ربما تكمن الإجابة في أن الإنسان المعاصر لم يعد يبحث عن العمل أو الراحة فحسب، وإنما يبحث عن التوازن. فالمشكلة ليست في أن تعمل، وإنما في أن يصبح العمل هو هويتك الوحيدة. وليست المشكلة في أن تستريح، وإنما في أن تتحول الراحة إلى هروب دائم من المسؤولية. فالعمل قيمة، لكنه ليس الحياة كلها. والراحة ضرورة، لكنها ليست غاية الحياة. والإنسان الذي يعمل طوال اليوم، ثم يعود إلى منزله جسدًا حاضرًا وعقلاً عالقًا في المكتب، قد يملك وظيفة ناجحة، لكنه ربما يخسر شيئًا من حياته التي لا يمكن استعادتها. وفي المقابل، فإن من يجعل الراحة أسلوب حياة، ويبحث دائمًا عن الأعذار لتأجيل واجباته، لا يعيش حياة متوازنة؛ بل يؤجل الحياة نفسها.
المفارقة العجيبة أن المجتمعات العالمية الحديثة أصبحت تتعامل مع كل ظاهرة تقريبًا من خلال يوم عالمي: يوم للعمل، ويوم للراحة، ويوم للصحة النفسية، ويوم للسعادة، ويوم لمكافحة الوحدة، ويوم لمواجهة الإجهاد، وهكذا !. وكأن الإنسان الذي صنع أكثر النظم تقدمًا في إدارة الوقت لم يعد يعرف كيف يعيش حياته !.
إننا لا نحتاج في ثقافتنا المعاصرة إلى أن نختار بين «مدمن العمل» و«عاشق الكسل»، وإنما نحتاج إلى صناعة الإنسان الذي يعرف متى يعمل، ومتى يرتاح، ومتى يقول: يكفي، فالعمل الذي لا يترك لك وقتًا لأهلك ليس نجاحًا كاملًا، والراحة التي تمنعك من أداء مسؤولياتك ليست حرية كاملة. وبين الاثنين مساحة واسعة اسمها الحياة المتوازنة. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في هذا اليوم ليس أن نحتفي بالكسل، ولا أن نخاف من العمل، وإنما أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية:
هل نحن نملك أعمالنا، أم أن أعمالنا أصبحت تملكنا؟ ليس المهم كم ساعة عملنا، ولا كم ساعة استرحنا، وإنما الأهم: ماذا فعلنا بحياتنا نبتغي وجه الله في المساحة الواقعة بين العمل الوظيفي والراحة المنزلية مع الأهل حيث الزوجة التي هي في قاموس الإسلام (سكن، لباس، افضاء) والولد الذي عده الرب سبحانه زينة الحياة الدنيا؟، ويبقى الفراغ واتساع هذه المساحة في حياة الإنسان القاتل الصامت فهو كما يذكر معالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله (يقتل أنبل ما في الإنسان، تعرف لماذا؟ لأن الفراغ يضخم غالبية الشعور، يضخم العاطفة، يضخم التعب، يضخم الألم. الفراغ هو العدو الحقيقي للإنسان، وأكبر نقمة قد يواجهها المرء في حياته، وأَثق أن الغارق بإنشغالاته يكون متزنًا بانفعالاته تجاه الحياة) دمتم بخير وإلى لقاء والسلام..