أنور الدوامي
ليست قاعدة أن المسؤول أو المسؤولة التنفيذية كثير الظهور في الإعلام ووسائل التواصل قليل الإنتاجية، فهناك مسؤولون يجمعون بين الإنجاز والحضور الإعلامي المتزن. لكن عندما يصبح الظهور الإعلامي هدفًا بحد ذاته، ويتكرر بصورة تكاد تجعل كل مادة مرئية أو مسموعة أو مقروءة تدور حول شخص المسؤول، فإن ذلك قد يكون مؤشرًا على توجهات لم تعد مرتبطة بالعمل بقدر ارتباطها بصناعة الصورة الشخصية.
لا عيب في أن يطل المسؤول على المجتمع للتعريف بمبادرة أو خدمة أو مشروع عند الحاجة، فهذا جزء من مسؤوليات بعض المناصب. لكن من غير المتوازن أن تكاد لا تخلو منصة الجهة أو فعالياتها أو لقاءاتها من حضوره، في الوقت الذي توجد فيه إدارات للتواصل المؤسسي وإعلاميون ومتحدثون رسميون أُنيطت بهم هذه المهام، وهي جزء أصيل من اختصاصاتهم.
المسؤول يقود المنظمة، ولا ينبغي أن يختزلها في شخصه. فكما لا يصح استغلال المنصب لتحقيق مصالح خاصة، لا يصح أيضًا استغلاله لبناء حضور إعلامي شخصي باستخدام منصات الجهة ومواردها وإمكاناتها. فالمنظمة أكبر من أي فرد، ونجاحها يصنعه فريق عمل كامل، وليس شخصًا واحدًا مهما كانت مكانته.
ومن أراد ممارسة النشاط الإعلامي بصفته الشخصية فله كامل الحرية في ذلك بالكّم والكيف الذي يريد، من خلال حساباته ومنصاته الخاصة، بعيدًا عن توظيف منصات الجهة التي يرأسها وإمكاناتها فيما قد يُفهم أنه تسويق لشخصه أكثر من كونه خدمة للمؤسسة.
“واثق الخطوة يمشي ملكاً” فمن حسن القيادة والثقة بالنفس أن يمنح المسؤول زملاءه فرصة الظهور، كلٌّ في مجال اختصاصه، وأن يبني لديهم الثقة ويبرز الكفاءات داخل المنظمة. فتنويع المتحدثين، وإشراك أصحاب الاختصاص، وإبراز المتميزين، يعكس قوة المؤسسة ونضجها، بينما اختزالها في وجه واحد يضعف صورتها المؤسسية مهما كانت النوايا حسنة.
وليس من الصحي أن يصبح رئيس المنظمة هو الوجه الدائم لمنصاتها الإعلامية، وكأن المؤسسة لا تمتلك خبرات أو قيادات أو متحدثين سواه. فالمؤسسات الناجحة تُعرف بمنظومتها، لا بأشخاصها.
واللافت أن كثيرًا من ملاك الشركات الكبرى، رغم أنهم أصحاب القرار والملكية، لا يحرصون على هذا القدر من الظهور الإعلامي الذي قد نشاهده أحيانًا لدى بعض التنفيذيين في الجهات المختلفة. فالقيادة ليست بعدد المقابلات ولا بكثرة الصور، وإنما بما يتحقق من أثر وإنجاز. من المفيد أن تتضمن برامج تأهيل القيادات التنفيذية محاور تتعلق بالولاء المؤسسي، والاستخدام الأمثل للمنصات الرسمية، والفصل بين تمثيل المنظمة والتسويق الشخصي، إلى جانب تفعيل دور إدارات المراجعة الداخلية والحوكمة والجهات الرقابية في متابعة المحتوى المنشور عبر المنصات الرسمية، والتأكد من أنه يخدم أهداف المؤسسة لا الأشخاص.
كما أن إجراء استطلاعات رأي دورية من جهات مستقلة لقياس رضا الموظفين والمستفيدين عن أداء الجهة وقياداتها، وتعزيز ثقافة الباب المفتوح والاستماع للرأي الآخر، يسهم في تصحيح المسار، وهي قيم اعتدنا عليها من قيادتنا الرشيدة - حفظها الله -.
ولعل من أجمل صور القيادة المتواضعة أن يحرص المسؤول على إبراز وتشجيع زملائه حتى في التفاصيل الرمزية. فما المانع أن يتوسط موظف متميز صورة تذكارية، أو يجلس في مقدمة مؤتمر تقديرًا لإنجازه، بينما يكتفي المسؤول بموقع جانبي؟ فالقائد الحقيقي لا يبحث عن مركز الصورة، بل عن مكانة فريقه.
التواضع لا ينتقص من القيادة، بل يزيدها احترامًا وهيبة، بينما الإصرار على تصدر المشهد في كل مناسبة قد يرسل رسائل لا تخدم صاحبها ولا مؤسسته فكما يقال من تواضع لله رفعه.
أخيرًا، لسنا بصدد انتقاد أشخاص أو جهات بعينها، فجميعنا نخطئ ونتعلم، وإنما هي دعوة إلى مراجعة بعض الممارسات، وتعزيز ثقافة العمل المؤسسي، وتقديم مصلحة المنظمة على الأفراد. فحين تتقدم المؤسسة على الأشخاص، يكسب الجميع، ويكون الأثر أكبر، والإنجاز أبقى، وذلك كله خدمةً لوطننا الغالي.
المؤسسات الراسخة تُبنى على الأنظمة والكوادر، لا على الأشخاص، والقائد الناجح هو من يصنع مؤسسة تستمر بعد رحيلة لا مؤسسة يختفي أثرها باختفاء صورته.