د. عبدالحق عزوزي
سنحت لي فرصة مناقشة أطروحة دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، أنجزها أحد طلبتي تحت إشرافي، وتناولت موضوع تقييم السياسات العمومية. ورغم أن هذا الحقل المعرفي لم يفرض نفسه في الجامعات الأوروبية إلا خلال العقدين الأخيرين، فإنه يشكل منذ ستينيات القرن الماضي أحد أهم مجالات البحث والتدريس في الجامعات الأمريكية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بجودة القرار العمومي، وفعالية المؤسسات، وحسن تدبير المال العام.
فالسياسات العمومية ليست مجرد برامج حكومية أو مشاريع إدارية، بل هي اختيارات استراتيجية تستثمر فيها الدول مليارات الدولارات أو الدراهم من أموال دافعي الضرائب لتحقيق التنمية، وتحسين الخدمات، والاستجابة لانتظارات المواطنين. ومن هنا أصبحت عملية تقييم هذه السياسات جزءاً لا يتجزأ من الحكامة الحديثة، حيث تضطلع البرلمانات، والمجالس العليا للحسابات، وهيئات التقييم المستقلة، بمراقبة مدى تحقيق الأهداف المعلنة، واحترام الكلفة الزمنية والمالية، وقياس الأثر الحقيقي على المجتمع.
وأثناء المناقشة، استوقفني جانب أراه من أكثر الجوانب إهمالاً في كثير من الرسائل الجامعية، وهو البناء النظري للبحث فقد كان من الطبيعي أن يعتمد الباحث، وهو يدرس المؤسسات العمومية، على النظرية المؤسساتية الجديدة باعتبارها الإطار الفكري الأكثر ملاءمة لتحليل سلوك المؤسسات وآليات اشتغالها. غير أن ما يلفت الانتباه في عدد من الأطروحات الجامعية هو ضعف العناية بالنظريات العلمية، أو التعامل معها باعتبارها مجرد مقدمة شكلية، في حين أنها تمثل العمود الفقري لأي بحث علمي رصين.
إن بلوغ أي علم درجة النضج لا يتحقق إلا عندما ينجح في إنتاج نظرياته الخاصة، فالنظرية ليست ترفاً فكرياً، ولا مجرد تأملات فلسفية، بل هي أداة لفهم الواقع، وتفسير الظواهر، والكشف عن العلاقات السببية، وصولاً إلى استشراف المستقبل، ولذلك لا يمكن الحديث عن علم، في أي مجال من مجالات المعرفة، دون وجود نظريات تؤطره، وتوجه البحث فيه، وتوفر أدوات تحليل نتائجه.
ولعل الإشكال يعود أحياناً إلى الخلط بين المعنى الشائع لكلمة «نظرية» والمعنى العلمي لها، ففي الاستعمال اليومي قد تعني النظرية مجرد رأي أو تصور شخصي، أما في العلوم الحديثة فهي بناء معرفي متكامل، يقوم على مفاهيم دقيقة وافتراضات قابلة للاختبار.
ومن هنا فإن العلاقة بين النظرية والواقع ليست علاقة تعارض، بل علاقة تكامل، فالواقع يغذي النظرية، والنظرية تساعد على فهم الواقع وتوجيهه. وما يصلح اليوم لتفسير ظاهرة معينة قد يحتاج غداً إلى مراجعة أو تطوير، لأن المعرفة العلمية بطبيعتها معرفة متحركة.
وقد استحضرت أثناء المناقشة عدداً من الأمثلة المستقاة من التجربة الأمريكية، حيث لم تكن التحولات الكبرى في السياسات العمومية، وخاصة في السياسة الخارجية والدفاع، وليدة قرارات ارتجالية، وإنما جاءت نتيجة تراكم فكري طويل داخل الجامعات ومراكز التفكير، فتيار المحافظين الجدد، الذي كان له تأثير بالغ في إدارة الرئيس جورج بوش الابن، لم يظهر فجأة، بل تشكل عبر عقود من الإنتاج الأكاديمي، قبل أن يتحول إلى رؤية استراتيجية طبقت عملياً في السياسة الخارجية الأمريكية، ولا تزال آثارها الجيوسياسية والأمنية ماثلة إلى اليوم في منطقة الشرق الأوسط.
كما أن التباين بين رؤية وزير الخارجية آنذاك كولن باول، الذي كان يدعو إلى منح الشرعية الدولية الأولوية قبل أي تدخل عسكري، وبين وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي كان يؤمن بمنطق القوة والحسم العسكري، لم يكن مجرد اختلاف في الأشخاص، بل كان اختلافاً بين مدرستين فكريتين، لكل واحدة منهما نظرياتها وأدواتها التحليلية. وهو ما يؤكد أن القرارات الكبرى كثيراً ما تكون امتداداً لنظريات صيغت داخل الجامعات قبل أن تنتقل إلى دوائر القرار.
إن العالم اليوم يعيش في بيئة استراتيجية تتسم بالتقلب والتعقيد والغموض وتسارع التحولات، وهو ما يجعل الحاجة إلى الأطر النظرية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فصانع القرار لا يستطيع الاكتفاء بالحدس أو الخبرة الشخصية، بل يحتاج إلى نماذج تحليلية تساعده على فهم الظواهر المعقدة، وتقدير المخاطر، وبناء السيناريوهات المستقبلية.
ولهذا تبقى النظرية العلمية، في العلوم السياسية والعلاقات الدولية كما في غيرها من العلوم الإنسانية، الوسيلة الأنجع لضبط وتقنين عالم الخبرة الواقعية؛ فهي لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تفسرها، وتكشف أسبابها، وتساعد على التنبؤ بمساراتها، لتصبح المعرفة العلمية جسراً حقيقياً بين الفكر والممارسة، وبين الجامعة وصناعة القرار.