محمد سفيل
أكثر ما يخافه الإنسان ما يؤذيه أو يصل به إلى مجهول الآخر، فينعزل من حمل الأعباء نحو الطريق، إن الحياة رحلة مليئة بالطرق المتشعّبة، يختار الإنسان منها ما يمضي فيه قدماً. وفي مسيرة الفرد نحو ذاته الحقيقية، لا يكون الطريق المزدحم دائماً هو الخيار الأفضل، بل هو الطريق الأقل سلوكاً، ذلك الذي اختاره العظماء من قبلنا، وسلكوه وهم يسترشدون بنور الإيمان ويستندون إلى قوة اليقين. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)، (النساء: 100). فهذا الخروج من البيت، من منطقة الراحة، والمغامرة في دروب غير مألوفة، هو ما يميز الطريق الأقل سلوكاً.
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» (رواه مسلم). إن السير في هذا الطريق يعكس الغربة، غربة الفكر والعزيمة، وغربة الروح في عالم يسعى للراحة الدائمة. إلا أن هذه الغربة هي ما تمنح صاحبها سكينة وفوزاً لا يدركه سواه، إنها غربة الأنبياء والصالحين، الذين لم يتبعوا ما تبعه العامة، بل اتخذوا سبيلاً خاصاً، فيه من التحدي والصبر ما يرفع شأنهم في الدنيا والآخرة.
إن السير في الطريق الأقل سلوكاً يتطلب مجاهدة مستمرة للنفس، وكما قال الحسن البصري - رحمه الله -: «الناس جميعاً هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم». فهذا الطريق لا يكتفي بالعلم، بل يتطلب العمل والإخلاص فيه، واليقين بأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
وفي هذا الطريق، يجد الإنسان معنى حياته الحقيقي. يقول تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) (فصلت: 30). إنها الاستقامة على الحق والسير بلا تردد ولا خوف، رغم وحشة الدرب، هي التي تفتح أبواب الرضا الإلهي.
وقد ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه «مدارج السالكين» أن السير إلى الله يتطلب من السالك معرفة الطريق وأشواكه، وعليه أن يكون صبوراً أمام العقبات، وأن يجعل توكله على الله يقيناً. فالسائر في طريق المجهول يحتاج إلى بوصلة القلب المستنير بالتوكل على الله. فمن كانت الدنيا همه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
الطريق الأقل سلوكاً هو طريق الابتعاد عن الهموم الدنيوية واتباع السمو الروحي، كما كان نهج السلف الصالح الذين تركوا وراءهم الدنيا وساروا في درب المعرفة والتزكية. يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: «طلبنا ترك الذنوب فوجدناه في الصلاة، وطلبنا ضياء القلوب فوجدناه في قراءة القرآن، وطلبنا النجاة فوجدناها في الصدق مع الله».
ومن سار في هذا الطريق، سيجد في الصبر سلاحه الأقوى، كما قال الله تعالى: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) (هود: 115). فكل عقبة تواجهك هي تمهيد لفتح باب أوسع. وكما قال الشاعر:
«لعل ما تخشاه ليس بكائن
ولعل ما ترجوه سوف يكونُ»
إن اختيار الطريق الأقل سلوكاً ليس مجرد مغامرة في المجهول، بل هو ارتقاء إلى معنى أعمق للحياة، حيث يدرك السالك أن المتاعب والمشاق التي يواجهها، هي ما تصقل روحه وتزيده ثباتًا في وجه الأقدار. الطريق الأقل سلوكاً هو ذلك المسار الذي يتجنبه الكثيرون خوفاً من الصعوبات التي قد يواجهونها، لكنه في الوقت نفسه يحمل في طيّاته أعمق معاني الحياة. إنه الدرب الذي يمشي فيه من يتطلّع إلى ما وراء المألوف، من يبحث عن ذاته في عالم مليء بالضوضاء، ومن يسعى إلى تحقيق غاياته بروح ملؤها الصبر والإيمان. في هذا الطريق، لا تعني العزلة الوحدة، بل تعني الخلوة التي يحتاجها الإنسان ليعيد ترتيب أفكاره ويجد سلامه الداخلي. إنه الطريق الذي تتعثر فيه الخطوات أحياناً، لكنه مليء بالفرص التي لا تظهر إلا للذين يملكون الشجاعة للاستمرار. في هذا المسار، يتجلى الإصرار على التمسك بالمبادئ، حتى عندما تبدو الأرض جافة والعقبات كثيرة. هو ذلك الطريق الذي يحتاج إلى يقين لا يتزعزع بأن الله يمهد السبيل لكل من يثق به، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، كما قال الله تعالى: (فإن مع العسر يسرا) (الشرح: 6). السير في هذا الطريق لا يعني بالضرورة الوصول إلى الوجهة بأسرع وقت، بل هو اختبار للثبات، وللإيمان بأن كل خطوة، مهما كانت شاقة، هي جزء من الرحلة التي تصنع منا أشخاصاً أكثر نضجًا وقوة.
فالطريق الأقل سلوكاً ليس مخصصاً للجميع، وإنما لمن يجرؤ على مواجهة المجهول، متسلحاً بالثقة في الله، وبروح تسعى إلى السمو فوق الماديات.
وفقنا الله للتفوق.