مهدي آل عثمان
شكّل صدور الأمر السامي بالموافقة على تعيين أعضاء مجالس مناطق المملكة الثلاث عشرة في دورتها الثامنة لمدة أربع سنوات محطة مهمة في مسيرة التنمية المحلية، ليس لأنه أعلن أسماء أعضاء جدد فحسب، بل لأنه جدد الثقة في إحدى أهم الأدوات التي اعتمدتها الدولة لتعزيز التنمية في مختلف مناطق المملكة، وإشراك أصحاب الرأي والخبرة والكفاءة في دراسة احتياجاتها والإسهام في رسم أولوياتها التنموية.
ويستند هذا النهج إلى نظام المناطق الصادر بالأمر الملكي الصادر عام 1412هـ، الذي وضع إطاراً متكاملاً لتنظيم إدارة المناطق، وحدد اختصاصات إماراتها، وأنشأ مجالس المناطق لتكون شريكاً في التخطيط للتنمية، ودراسة الاحتياجات، واقتراح المشروعات، وترتيب الأولويات، ومتابعة تنفيذ الخطط التنموية. وقد بدأ التطبيق العملي لهذا التنظيم بتشكيل أول دورة لمجالس المناطق عام 1414هـ، لتتوالى بعدها الدورات حتى وصلت اليوم إلى الدورة الثامنة، في تأكيد على رسوخ هذا النهج المؤسسي ودوره في دعم التنمية المحلية.
ومنذ انطلاق أعمالها، أصبحت مجالس المناطق إحدى الركائز المهمة في مسيرة التنمية، إذ تضم في عضويتها أمير المنطقة، ونائبه، وعدداً من المسؤولين الحكوميين، إلى جانب أعضاء من الأهالي ممن يمتلكون الخبرة والكفاءة، ليجتمع القرار الإداري مع الخبرة المجتمعية في خدمة المنطقة، وتعزيز التنمية فيها، ونقل احتياجاتها إلى جهات الاختصاص.
ولذلك، فإن عضوية مجلس المنطقة ليست منصباً تشريفياً، ولا مكانة اجتماعية تضاف إلى السيرة الذاتية، بل هي تكليف وطني ومسؤولية كبيرة تستوجب الإخلاص، والموضوعية، والقدرة على قراءة الواقع، ونقل احتياجات المنطقة ومحافظتها ومراكزها، بكل أمانة وشفافية، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو مناطقية أو اجتماعية.
وقد منح النظام مجالس المناطق اختصاصات واضحة، من أبرزها دراسة احتياجات المنطقة، واقتراح المشروعات التنموية، وترتيب أولوياتها، ومتابعة تنفيذ الخطط والمشروعات، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة. وهذه الاختصاصات تجعل من المجلس شريكاً حقيقياً في صناعة القرار التنموي، وليس مجرد جهة ترفع توصيات أو تقدم آراء نظرية.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في إطار رؤية المملكة 2030، لم تعد التنمية تقاس بعدد المشروعات التي يتم تنفيذها، وإنما بالأثر الذي تحدثه في حياة الإنسان، ومدى إسهامها في تحسين جودة الحياة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات، واستثمار المزايا النسبية التي تتمتع بها كل منطقة ومحافظة ومركز. ومن هنا تتضاعف مسؤولية أعضاء مجالس المناطق في تقديم المبادرات النوعية، وصناعة الحلول، ومتابعة تنفيذها حتى تتحول إلى واقع يلمسه الناس.
ومن أهم المبادئ التي ينبغي أن تحكم عمل عضو مجلس المنطقة أن ينظر إلى المنطقة بوصفها كياناً متكاملاً، لا مجموعة من المحافظات المتنافسة على المشاريع. فعضو المجلس لا يمثل المدينة التي يقيم فيها، ولا المحافظة التي ينتمي إليها، بل يمثل المنطقة بأكملها، بكل محافظاتها ومراكزها وقراها، ويحمل مسؤولية نقل احتياجاتها جميعاً بعدالة وموضوعية، واضعاً مصلحة المنطقة فوق أي اعتبار آخر.
كما أن العدالة في التنمية لا تعني توزيع المشاريع بالتساوي بين المحافظات، وإنما توزيعها وفق الاحتياج والأولوية والعائد التنموي. فقد تكون محافظة بحاجة إلى طريق إستراتيجي يربطها بالمراكز المجاورة، بينما تحتاج أخرى إلى مستشفى، أو مشروع مائي، أو منطقة صناعية، أو تطوير واجهات سياحية، أو دعم للبنية التحتية، أو إنشاء مرافق تعليمية وخدمية. وهنا يظهر الدور الحقيقي للمجلس في دراسة هذه الاحتياجات، وترتيبها وفق معايير مهنية تحقق أفضل أثر تنموي للمنطقة بأكملها.
ولا يمكن لعضو مجلس المنطقة أن يؤدي هذا الدور من خلال التقارير المكتبية وحدها، بل يحتاج إلى حضور ميداني مستمر، وزيارات للمحافظات والمراكز والقرى، واستشفاف ما يتداوله الناس، والاطلاع المباشر على احتياجاتهم وتحدياتهم. فالميدان يكشف كثيراً من التفاصيل التي قد لا تنقلها التقارير، ويمنح عضو المجلس رؤية أكثر دقة عند مناقشة الأولويات ورفع التوصيات.
كما أن دور المجلس لا ينبغي أن يتوقف عند رفع التوصيات، بل يمتد إلى متابعة تنفيذها، ورصد ما يواجهها من معوقات، وعرض ذلك على رئيس المجلس للتنسيق والمتابعة مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يسهم في تسريع الإنجاز وتحقيق مستهدفات المشاريع. فالمواطن لا ينتظر كثرة الاجتماعات، ولا عدد التوصيات الصادرة، وإنما ينتظر نتائج يلمسها في جودة الطرق، وكفاءة الخدمات الصحية، وتطوير التعليم، وتحسين البيئة الحضرية، وتنشيط الاستثمار، ورفع جودة الحياة.
وتفرض المرحلة الحالية أيضاً أهمية تعزيز الشراكة بين مجالس المناطق والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، بما يسهم في إطلاق المبادرات التنموية، واستثمار المقومات الاقتصادية والسياحية والزراعية والثقافية التي تتميز بها كل منطقة. فالتنمية الحديثة لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي عمل تكاملي تتقاسم أدواره الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ومن المهم كذلك أن تتبنى مجالس المناطق ثقافة قياس الأداء، من خلال متابعة ما تحقق من توصيات، وما أُنجز من مشاريع، وما واجه التنفيذ من تحديات، لأن التنمية الناجحة تقوم على وضوح المؤشرات، وقياس النتائج، وتحويل الخطط إلى منجزات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إن الثقة التي أولتها القيادة الرشيدة لأعضاء مجالس المناطق تمثل أمانة وطنية كبيرة، تستوجب العمل بروح الفريق الواحد، والتجرد من أي اعتبارات ضيقة، وأن يكون المعيار الأول في كل قرار هو مصلحة المنطقة بأكملها، وتحقيق التنمية المتوازنة بين محافظاتها ومراكزها وقراها، وفق الاحتياج والأولوية والكفاءة.
إن نجاح مجالس المناطق لا يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بعدد التوصيات التي تصدرها، وإنما بالأثر الذي تصنعه في حياة الناس، وبقدرتها على أن تكون صوتاً أميناً للتنمية، وجسراً فاعلاً بين المواطن والجهات الحكومية، وشريكاً حقيقياً في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. وعندما يدرك كل عضو أن مسؤوليته تمتد إلى كل شبر من منطقته، وأن نجاحه الحقيقي هو ما يتركه من أثر تنموي مستدام، فإن مجالس المناطق ستنتقل بحق من مجرد التمثيل إلى صناعة الأثر.