د. عيسى محمد العميري
لم تتوقف إيران يوماً عن القفز على العقوبات المفروضة عليها وعلى القوانين الدولية ذات الصلة. وفي هذا السياق يمكن القول اليوم بأنه لم تعد الحروب الحديثة تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات والسفن الحربية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر تعقيداً، من بينها الفضاء الإلكتروني وأنظمة الملاحة والتعريف بالسفن تحديداً.. وبناء عليه تأتي إفادات بعض التقارير الإخبارية والتي تسلط الضوء على جانب لافت من أساليب التضليل في البحر، وموضوعنا اليوم هو إيران. فهي تقع تحت عنوان يوحي بأن إيران تستخدم وسائل غير تقليدية لخداع العالم بشأن حركة السفن والملاحة البحرية. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في الاعتماد الكبير الذي أصبحت عليه السفن التجارية وناقلات النفط على أنظمة الملاحة الإلكترونية، وفي مقدمتها نظام تحديد المواقع العالمي GPS، إضافة إلى أنظمة التعريف الآلي بالسفن AIS. فهذه الأنظمة تتيح تحديد موقع السفينة واتجاهها وسرعتها، كما تسمح للجهات المعنية بمراقبة حركة الملاحة في البحار والممرات الدولية. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتعرض هذه الإشارات للتشويش أو ما يعرف بـ«الانتحال الملاحي»، حيث يمكن بث إشارات مزيفة تجعل جهاز الاستقبال يعتقد أن السفينة موجودة في موقع مختلف عن موقعها الحقيقي. وتناولت «سكاي نيوز عربية» سابقاً هذه الظاهرة، موضحة أن الانتحال أكثر خطورة من مجرد التشويش، لأنه لا يوقف الإشارة بالضرورة، وإنما يقدم معلومات خاطئة إلى أجهزة الملاحة. وفي أجواء التوترات الإقليمية، تزداد أهمية هذه الأساليب، خصوصاً في المناطق البحرية الحساسة مثل الخليج العربي ومضيق هرمز. فالملاحة في هذه المنطقة لا ترتبط بدولة واحدة، وإنما تمثل جزءاً من شبكة التجارة والطاقة العالمية، وتمر عبرها ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع المتجهة إلى أسواق مختلفة. وتشير تقارير حديثة إلى أن عمليات التلاعب بإشارات الملاحة البحرية يمكن أن تؤدي إلى ظهور السفن في مواقع غير حقيقية على الخرائط الإلكترونية، بل قد تظهر السفينة وكأنها موجودة على اليابسة أو في مكان بعيد عن موقعها الفعلي. وهذا النوع من التضليل يمكن أن يربك حركة السفن، ويزيد احتمالات الاصطدام أو دخول مناطق خطرة أو الاقتراب من مناطق عسكرية أو حقول ألغام. ومن هنا تتضح أهمية ما يطرحه الفيديو؛ فالقضية ليست مجرد خدعة تقنية محدودة، وإنما تتصل بأمن الملاحة الدولية وسلامة التجارة العالمية. وعندماتصبح المعلومات التي تعتمد عليها السفن قابلة للتزييف، فإن الثقة في منظومة الملاحة نفسها تتعرض للاهتزاز، الأمر الذي يفرض على الدول وشركات النقل البحري تطوير وسائل حماية أكثر تقدماً. كما أن الاعتماد الكامل على التكنولوجيا الحديثة قد يتحول في أوقات الأزمات إلى نقطة ضعف، ولذلك تحتاج السفن إلى أنظمة بديلة للملاحة، إلى جانب تدريب أطقمها على التعامل مع حالات فقدان أو اضطراب إشارات GPS وAIS. وقد أشار خبراء في هذا المجال إلى أهمية استخدام أنظمة ملاحية احتياطية، بما فيها الملاحة بالقصور الذاتي والوسائل التقليدية عند الحاجة. إن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا الموضوع هي أن الحرب الحديثة لم تعد معركة عسكرية فقط، وإنما أصبحت أيضاً معركة معلومات وإشارات وتكنولوجيا. وما يحدث في البحر يؤكد أن حماية الممرات البحرية لا تتطلب قوة الأساطيل وحدها، بل تحتاج كذلك إلى منظومات متقدمة لكشف التلاعب الإلكتروني والتحقق من المواقع الحقيقية للسفن. وفي منطقة الخليج العربي تحديداً، تبرز الحاجة إلى مزيد من التعاون بين دول المنطقة في مجال أمن الملاحة وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، بما يحافظ على سلامة السفن ويضمن استمرار حركة التجارة والطاقة. فالبحر الذي يمثل شرياناً للاقتصاد العالمي يجب ألا يتحول إلى ساحة للفوضى الرقمية أو التضليل، وأمنه مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الدول. اللهم احفظ خليجنا مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي