سعدون مطلق السوارج
ليست كل المزادات أسواقًا، وليست كل الأسواق أماكن للبيع والشراء. هناك مزادات تتجاوز المطرقة والصفقة، فتتحول إلى منصات لصناعة القيمة، وجسور تصل الماضي بالمستقبل، ومشروعات ثقافية واقتصادية تعيد تعريف الموروث بلغة العصر.
ومن هذا المعنى تحديدًا يمكن قراءة المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور الذي ينظمه المركز الوطني للصقور في مَلهم شمال الرياض.
فالمشهد الذي قد يبدو للوهلة الأولى مزادًا تتنافس فيه المزارع والصقارون على نخبة من الصقور، يخفي وراءه مشروعًا سعوديًا أوسع: بناء منظومة حديثة للصقارة، وتحويل الرياض إلى نقطة التقاء عالمية لمزارع الإنتاج والخبرات والصقارين، مع إبقاء هذا الموروث متصلًا بجذوره التاريخية في الجزيرة العربية والخليج.
وهنا تكمن خصوصية التجربة السعودية.
فالمملكة لا تستدعي الماضي لتضعه في واجهة الذاكرة، وإنما تستدعيه لتمنحه أدوات المستقبل.
لقد أصبح الصقر، الذي كان يومًا رفيق الصقار في الصحراء وأداة من أدوات الصيد وتأمين الغذاء، جزءًا من منظومة حديثة تشمل التربية والإنتاج والرعاية البيطرية والنقل والتوثيق والتسويق والمنافسات والبحث والمعرفة والاستثمار.
إنها ليست نقلة في شكل ممارسة تراثية فحسب، بل إعادة تعريف للقيمة التي يستطيع الموروث أن يصنعها حين تتولى الدولة بناء مؤسساته وحماية مستقبله.
ومنذ أن أطلق نادي الصقور السعودي المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور عام 2021، أخذت التجربة مسارًا تصاعديًا لافتًا.
كانت البداية بمشاركة مزارع من 14 دولة، وانتهت النسخة الأولى بمبيعات بلغت نحو 10 ملايين ريال مقابل بيع 400 صقر، في خطوة استهدفت استقطاب أفضل مزارع الإنتاج العالمية، وتوفير سلالات متميزة للصقارين، وجذب الخبرات الدولية، وفتح فرص جديدة للاستثمار.
وفي 2025، تجاوزت المبيعات 13 مليون ريال، وبلغ عدد الصقور المباعة 1103 صقور، وشاركت 67 مزرعة إنتاج من 23 دولة، بينها 19 مزرعة سعودية. وارتفعت قيمة المبيعات 23 % وعدد الصقور المباعة 27 %، وعدد الدول المشاركة 21 %، وعدد المزارع 20 % مقارنة بالعام السابق. هذه الأرقام لا تحكي قصة ارتفاع في المبيعات فقط؛ إنها تكشف عن اتساع السوق نفسها.
فحين تأتي مزارع الإنتاج من قارات مختلفة إلى الرياض، وحين يلتقي المنتج بالصقار والمشتري في منصة واحدة، وحين تصبح الجودة قابلة للمقارنة والمنافسة، يتحول المزاد من حدث موسمي إلى سوق متخصصة تصنع الثقة وتجمع الخبرة وتفتح أبواب الاستثمار.
ولهذا فإن وصف المزاد بأنه أكبر تجمع من نوعه في العالم يأخذ دلالته من طبيعة ما يجتمع فيه؛ فهو يجمع المنتجين والصقارين والخبرات والخدمات والمستلزمات والفعاليات، ويوفر مساحة للتبادل المعرفي إلى جانب البيع والشراء.
والأهم أن المملكة لا تكتفي باستقبال العالم.
إنها تبني للعالم منصة يأتي إليها.
وتأتي نسخة 2026 في لحظة مؤسسية جديدة.
فقد وافق مجلس الوزراء على تنظيم المركز الوطني للصقور بقرار رقم 834، ومنح المركز الشخصية الاعتبارية العامة والاستقلال المالي والإداري، وربطه تنظيميًا برئيس مجلس الوزراء، وجعل مقره الرئيس في الرياض. كما أسند إليه اختصاصات تتصل بالمزادات والفعاليات والمعارض والمؤتمرات والبحوث والدراسات والتعاون الدولي وتطوير البيئة الاستثمارية في قطاع الصقور.
وهذه ليست مسألة إدارية عابرة.
فعندما يُمنح قطاع الصقور إطارًا مؤسسيًا بهذا الاتساع، فإن الرسالة واضحة: هذا الموروث لم يعد نشاطًا موسميًا، بل أصبح مجالًا ثقافيًا واقتصاديًا ومعرفيًا يحتاج إلى التنظيم والتطوير والاستدامة.
ولهذا تأتي نسخة 2026 بوصفها أولى فعاليات المركز الوطني للصقور بعد تنظيمه الجديد، خلال الفترة من 5 إلى 25 أغسطس في مَلهم شمال الرياض، بما تضمه من مزارع محلية ودولية، وأجنحة لمستلزمات الصقور، وجناح «صقار المستقبل»، وعروض تفاعلية ومنصة للمنافسات المباشرة.
وهنا تتضح النقلة:
السعودية لا تطور فعالية؛ إنها تطور قطاعًا.
ووراء كل صقر يصل إلى منصة المزاد قصة طويلة لا تبدأ عند لحظة المزايدة.
هناك مزرعة أنتجته، وخبرة راكمت خصائص سلالته، وبرامج تربية ورعاية، وعناية بيطرية، ونقل متخصص، وإجراءات استقبال وفحص، ثم توثيق للبيانات والملكية، وصولًا إلى المشتري.
وقد شهد قطاع إنتاج الصقور تطورًا في تقنيات التربية، ومنها برامج التزاوج والتهجين التي تستهدف جمع خصائص مرغوبة من الأبوين، مع المحافظة على السلالات وتطوير الإنتاج في المزارع المتخصصة.
ومن هنا فإن قيمة الصقر لا تختزل في سعره.
فبيع صقر من نوع «جير بيور سوبر وايت» بمبلغ 1.2 مليون ريال في مزاد 2025 يكشف عن سوق قادرة على تقدير الندرة والمواصفات وجودة الإنتاج والثقة في المنتج.
والسوق الناضجة لا تقاس فقط بما يدفعه المشتري، وإنما بما تبنيه حول الصفقة من معرفة وثقة وخدمات ومعايير.
بل إن التجربة شهدت في 2025 انتقالًا من مجرد البيع إلى الاستثمار؛ إذ استحوذت شركة سعودية على مزرعة كندية عريقة في إنتاج الصقور، في صفقة جرت داخل المزاد نفسه.
وهنا تتضح صورة أخرى للمشروع: الرياض ليست فقط سوقًا تستقبل المنتج العالمي، بل أصبحت بيئة يمكن أن ينطلق منها الاستثمار السعودي إلى صناعة الصقور عالميًا.
ومع كل هذا الحضور السعودي، تبقى حقيقة ثقافية لا يمكن تجاهلها: الصقارة ليست موروثًا منفصلًا عن محيط المملكة، وإنما هي جزء من ذاكرة الجزيرة العربية والخليج.
فالصقر أقدم من الحدود السياسية الحديثة، والصقارة عاشت في مجتمعات الخليج التي تشاركت البيئة الصحراوية، وتناقلت فنون القنص والتدريب والرعاية جيلًا بعد جيل.
من السعودية إلى الكويت وقطر والإمارات والبحرين وعُمان، ظل الصقر حاضرًا في الذاكرة الخليجية؛ رفيقًا للصحراء، وأداة للصيد، ورمزًا للمهارة والصبر ومعرفة الطبيعة.
وتؤكد اليونسكو أن الصقارة كانت في أصلها وسيلة للحصول على الغذاء، ثم تطورت مع الزمن إلى ممارسة اجتماعية وثقافية وترفيهية، وإلى وسيلة للاتصال بالطبيعة ونقل المعرفة بين الأجيال. كما أن ملف الصقارة الدولي يضم السعودية وقطر والإمارات ضمن الدول المشاركة في هذا التراث الإنساني الحي.
وفي الكويت، ارتبطت الصقارة تاريخيًا بحياة أهل الصحراء والرحلات والقنص، كما هو الحال في أجزاء واسعة من البيئة الخليجية.
ومن هنا فإن المحافظة على الصقارة ليست محافظة على طائر أو هواية فقط، وإنما حماية لمنظومة من المعارف: اختيار الصقر، وتدريبه، والعناية به، ومعرفة مواسم القنص، وفهم البيئة، وصناعة الأدوات، وما ارتبط بذلك من شعر وحكايات ومفردات وعادات.
وحين تُقرأ الصقارة بعين التاريخ، فإنها لا تظهر مجرد هواية تناقلتها الأجيال، بل سجلًا حيًا لعلاقة الإنسان الخليجي ببيئته؛ فقد كان الصقر في زمن مضى شريكًا في تحصيل القوت، ثم غدا عنوانًا للمهارة والمكانة، قبل أن يستقر في الوعي الحديث بوصفه أحد أعمق رموز الموروث. ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس انقطاعًا عن الماضي، بل فصلًا جديدًا في تاريخه.
لكن قيمة التجربة السعودية أنها لا تتعامل مع هذا الموروث الخليجي المشترك باعتباره شيئًا جامدًا يجب حفظه في الذاكرة، بل تعمل على منحه أدوات جديدة للحياة والاستمرار.
فالموروث الحقيقي ليس ما يبقى كما كان؛ بل ما يستطيع أن يتغير في أدواته دون أن يفقد روحه.
وتؤكد اليونسكو أن الصقارة تُمارس منذ أكثر من أربعة آلاف عام، وأنها كانت في بداياتها وسيلة للحصول على الغذاء، ثم اكتسبت أبعادًا اجتماعية وثقافية، وأصبحت مرتبطة بالحفاظ على الصقور وطرائدها وموائلها، وبنقل المعرفة من جيل إلى آخر.
وهذا التحول يضيء جانبًا مهمًا من تاريخ الخليج.
فالإنسان الخليجي القديم عاش في بيئة قاسية، وكانت معرفته بالصحراء وطرائدها ومواسمها ورياحها جزءًا من أدوات البقاء.
وكان الصقر شريكًا في تلك الحياة. ثم تغيرت المدن ووسائل المعيشة، ولم تعد الحاجة إلى الصيد كما كانت، لكن الصقارة بقيت لأنها تحولت من ضرورة معيشية إلى ذاكرة ثقافية وهوية اجتماعية.
وهنا تظهر قيمة الموروث الحي: أن يتغير دوره دون أن تنقطع صلته بالماضي.
وقد أدرجت اليونسكو الصقارة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ضمن ملف دولي شاركت فيه السعودية وقطر والإمارات ودول أخرى، وأكدت أن الصقارة ممارسة ثقافية تنتقل من جيل إلى آخر عبر الأسرة والتدريب والممارسة.
لكن التجربة السعودية اليوم تذهب خطوة أبعد.
فالمملكة لا تكتفي بأن تكون جزءًا من الاعتراف الدولي بالصقارة، وإنما تبني حولها منظومة مؤسسية واقتصادية ومعرفية متكاملة.
في الرياض مؤسسة وطنية.
وفي مَلهم مزاد عالمي.
وفي المزارع إنتاج متخصص.
وفي الميدان منافسة.
وفي الفعاليات تعليم وتعريف.
وفي التنظيم الجديد إطار للاستثمار والبحث والشراكات.
وهكذا تنتقل الصقارة من ممارسة محفوظة إلى قطاع منظم.
وبقراءة هذه التحولات مجتمعة، لا تبدو الأرقام مجرد مؤشرات نمو في مزاد موسمي؛ إنها علامات على انتقال الصقارة من نطاق الممارسة الفردية إلى منظومة لها مؤسساتها وأسواقها ومنافساتها وشبكاتها الدولية. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الموروث من شيء نحتفي به إلى قيمة نعيد إنتاجها ونبني لها مستقبلًا.
ولعل أكثر ما يكشف ذكاء هذه المنظومة قرار تخصيص جميع أشواط فئة «الفرخ» في مسابقات المركز للصقور المباعة في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور.
هذه ليست مجرد إضافة إلى برنامج المنافسات.
إنها إعادة تعريف لعلاقة المزرعة بالسوق.
فالمزرعة تنتج، والمزاد يتيح الاختيار، والصقار يشتري، ثم يدخل الصقر الميدان.
وبذلك تتصل حلقات أربع:
الإنتاج -المزاد -المنافسة -السمعة.
وهذا يمنح المزرعة حافزًا يتجاوز البيع؛ لأن جودة إنتاجها ستُختبر لاحقًا في المنافسة.
إنها فلسفة تبني سوقًا على الجودة والأداء لا على العرض وحده.
وقبل سنوات قليلة لم يكن من السهل تصور أن تصبح مَلهم شمال الرياض نقطة تلتقي فيها مزارع إنتاج من مختلف أنحاء العالم.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد واقعًا.
وفي 2025 استقبل المزاد أكثر من 20 ألف زائر، إلى جانب مشاركة المزارع المحلية والدولية، وضم أجنحة لمستلزمات الصقور وجناح «صقار المستقبل» وعروضًا تفاعلية حول التربية والرعاية.
وهذا الجانب ربما يكون أهم من قيمة الصفقات نفسها.
فالموروث الذي لا يصل إلى الجيل الجديد يموت مهما بلغت قوة المؤسسات التي تحفظ وثائقه.
أما حين يرى الجيل الجديد الصقر ويتعرف إلى أدواته وأساليب رعايته وتربيته، ويدرك أن وراء هذه الهواية علمًا ومهارة وتاريخًا، فإن الموروث ينتقل من الذاكرة إلى الوعي.
وهنا تصبح السعودية لا حافظةً للموروث فحسب، بل صانعةً لجيله القادم.وربما تختصر صورة الصقر وحدها هذه الرحلة كلها.
فقبل قرون، كان الصقار يخرج إلى الصحراء، ويعتمد على خبرته في اختيار الطير وتدريبه، ويقرأ الريح، ويتتبع الطريدة، ويعود من رحلته بما يسد حاجة أهله.
واليوم يصل الصقر إلى الرياض عبر الرحلات الجوية، ويُستقبل وفق إجراءات منظمة، ويخضع للرعاية والفحص، ثم يدخل منصة مزاد عالمية، وتوثق ملكيته، وقد ينتقل إلى صقار من دولة أخرى، ثم يدخل ميدان المنافسة.
لقد تغيرت الوسائل. لكن جوهر العلاقة لم يتغير.
ما زال الإنسان ينظر إلى الصقر باعتباره كائنًا يستحق العناية والمعرفة والاحترام.
وهذا هو معنى الموروث الحي.
إن المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور ليس قصة صقر بيع بمليون ريال، ولا قصة 1103 صقور بيعت في موسم واحد، ولا قصة 67 مزرعة جاءت من 23 دولة.
كل هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها.
القصة الأعمق أن السعودية رأت في الصقارة ما هو أبعد من هواية تراثية.
رأت فيها ذاكرة وطن، وامتدادًا خليجيًا، وثقافة عربية، وتراثًا إنسانيًا، وقطاعًا اقتصاديًا، ومجالًا للمعرفة، ومنصة للقوة الناعمة.
ثم بدأت تبني حول هذا الإرث مؤسسة وسوقًا ومنافسةً ومنظومةً متكاملة.
أما الخليج، من الكويت إلى قطر والإمارات والبحرين وعُمان، فيرى في الصقر جزءًا من ذاكرته المشتركة؛ صقرًا عرفته الصحراء قبل الحدود، وصاحب الإنسان في زمن كانت فيه الصقارة وسيلة للصيد وتأمين القوت، ثم تحولت إلى موروث تتناقله الأجيال.
ومن هنا فإن المحافظة على الصقارة ليست حفظًا لمشهد من الماضي، بل حماية لمعرفة وهوية وذاكرة إنسانية.
لكن ما تفعله السعودية اليوم يتجاوز الحماية إلى إعادة البناء.
إنها تأخذ إرثًا عريقًا، وتضعه في مؤسسات حديثة، وتفتح له أبواب العالم، وتستقطب إليه مزارع الإنتاج، وتربط البيع بالمنافسة، وتمنح الجيل الجديد فرصة التعرف إليه، وتضع له إطارًا تنظيميًا قادرًا على الاستدامة.
وهنا تتجلى الفكرة الأهم:
«الموروث الذي تحميه السعودية اليوم، ليس ماضيًا يُستعاد؛ بل مستقبلٌ يُصنع.»
ومن مَلهم إلى آفاق العالم، لا يعود السؤال: كم بلغ سعر الصقر؟
بل يصبح السؤال الأعمق:
كيف استطاعت المملكة أن تجعل من جناحٍ كان يطارد الطريدة في صحراء الأمس، جناحًا يحمل اليوم موروث الجزيرة العربية إلى العالم؟
وتلك هي الحكاية التي تستحق أن تُكتب.
فالمملكة لا تبيع الصقور فحسب؛ إنها تبني للصقارة عصرًا جديدًا.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي