إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في بقعة هادئة تتوسط قاعة عرض حديثة، حيث تسطع الأضواء الموجهة من السقف اللامع على جدران ناصعة البياض، يقف رجل أنيق وقد عقد يديه خلف ظهره يثبت عينيه على قماشٍ شديد الضخامة يعتلي الجدار الرئيسي.
لا شيء على هذا القماش يمت بصلة لما نعرفه في حياتنا اليومية، لا إبريق شاي نحاسي يلمع تحت ضوء نافذة، لا وجه امرأة يبتسم بوقار خفي ولا حارة قديمة تفيض بأزقتها وأقواسها المعتادة، كل ما في المشهد ضربات فرشاة عريضة وعنيفة وبقع متعاشقة من الأزرق الداكن والأصفر الفاقع ومربع أحمر وحيد سميك الملمس يتكئ بحس مسرحي عند الحافة السفلى للوحة.
يتأمل الرجل العمل لبضع ثوانٍ ثم يميل برأسه قليلاً إلى اليمين ثم إلى اليسار، يمسك نظارته ويمرر عينيه بحثاً عن أي خيط مرئي يمسك به. وأخيراً يلتفت إلى صديقه الواقف بجواره ويهمس بابتسامة حائرة تتكرر ألف مرة كل يوم في متاحف العالم «ما الذي يعنيه هذا؟ وما الذي يحاول الفنان قوله هنا؟»
إن هذه اللحظة من الارتباك الشديد ليست دليلاً على قصور في الذائقة ولا هي عجز في التذوق، هي نتيجة تراكمات تاريخية طويلة جعلتنا نربط دون وعي منا بين كلمة «فن» وكلمة «محاكاة»، حيث اعتدنا لقرون طويلة أن نقطع تذكرة المعرض لنرى كيف استطاع الرسام أن يخدع أعيننا وكيف نجح في نقل الواقع بالفرشاة والزيت ليجعله يبدو حياً. ولكن ماذا يحدث عندما تقرر اللوحة أن تتوقف عن أن تكون «نافذة» نطل منها على العالم لتصبح هي ذاتها «العالم»؟
من الشبه إلى الروح
لكي نفهم حكاية التجريد دون أن تتملكنا الرهبة علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء إلى تلك السنوات التأسيسية التي شهدت تحولاً درامياً في تاريخ البصرية الإنسانية.
طوال عهود النهضة والكلاسيكية كانت اللوحة التشكيلية تلعب دور الخادم الأمين للحكاية والتوثيق، كانت ترسم المعارك الفاصلة وتوثق ملامح الملوك والفرسان وتلتقط تفاصيل الطبيعة الصامتة، كان الرسام النجيب والماهر هو ذلك الذي يمتلك تقنية تجعل ثمار العنب تبدو شهية وكأنها تقطر ماءً أو يجعل ملمس الثوب المخملي يضيء تحت قنديل زيتي.
لكن في منتصف القرن التاسع عشر وقع الحدث الذي زلزل أركان المرسم التقليدي» اختراع الكاميرا الفوتوغرافية».
في لحظة فارقة وجدت اللوحة نفسها محررة من مهمة التوثيق التاريخي ونقل الواقع، تساءل الفنانون حينها بنبرة لا تخلو من التحدي « إذا كانت هذه الآلة المعدنية الصغرى تستطيع التقاط تفاصيل الواقع بدقة متناهية وفي جزء من الثانية، فما هي المهمة الإنسانية التي بقيت لفرشاة الرسام؟».
هنا بالذات وُلدت الثورة التجريدية، قرر الفن أن يخلع عن كاهله رداء التقليد والمحاكاة وأن يتعامل مع العناصر البصرية الأساسية - اللون، الخط، الشكل، والملمس - باعتبارها كائنات قائمة بذاتها ولها سيادتها الخاصة، لم يعد الهدف من اللون الأزرق في اللوحة أن يمثل «السماء» أو «البحر» بل أصبح الأزرق يُقدم ليمثل ذاته ليعبر عن طاقته، برودته، بريقه، وعمقه الروحي الخالص.
المصادفة التاريخية والولادة
تحكي أدبيات الفن التشكيلي حادثة طريفة ومحورية وقعت في مرسم الفنان الروسي «فاسيلي كاندينسكي» عام 1910، وتُعد الشرارة النفسية الأولى للثورة التجريدية.
دخل كاندينسكي مرسمه في ساعة الغروب وكانت إحدى لوحاته التي رسمها حديثاً قد سقطت على جانبها مقلوبة دون أن ينتبه. في الغسق الخافت وقعت عيناه على اللوحة المقلوبة لم يتعرف على معالم الأشخاص أو الأشجار فيها إنما رأى كُتلاً من الألوان الباهرة والخطوط المتشابكة التي تنبض بحياة خاصة وتثير في نفسه مشاعر جياشة لم يسبق أن شعر بها أمام عمل واقعي.
عندما اقترب واكتشف أنها لوحته الواقعية مقلوبة أدرك كاندينسكي الحقيقة الكبرى «الأشكال الواقعية تُضعف القوة التعبيرية للون». لقد كانت اللوحة المقلوبة أصدق وأقوى لأنها تحررت من قيد المعنى المباشر، وأتاحت للعين أن تتذوق المادة الفنية الخالصة ومنذ تلك اللحظة خاض الفن التجريدي مغامرته الكبرى متخلياً عن المشهد الواقعي للأبد.
المعركة بين العقل والشعور
يدخل الزائر إلى صالة العرض وفي ذهنه نموذج قديم يعوده على حل الألغاز هذا هو الفخ الأكبر الذي يقع فيه معظم المتابعين عند الوقوف أمام العمل التجريدي، تعاملهم مع اللوحة باعتبارها «كلمات تقاطعية» أو شفرة سرية كُتبت بلغة مجهولة ويجب حلها لفك طلاسمها.
تراه يقف مشدود الأعصاب يحاول تشخيص شكلٍ يتكئ عليه منطقُه « أظن أن هذا المربع الأحمر يرمز إلى البيت المحترق، وتلك الخطوط السوداء العاصفة هي القفص الذي يطوق المكان!».
إن مجرد البدء في هذه المحاولة التفسيرية يُفقد التجربة الفنية سحرها المباشر. الفنان التجريدي حين كان يسكب اللون في لحظة تجلٍ داخل مرسمه لم يكن يفكر في إعداد أحجية ليختبر بها ذكاء الجمهور أو يربك بها ذائقتهم، كان يسجل حواراً درامياً بين روحه وقماش اللوحة وحواراً تعبر فيه المادة عن حالة شعورية لا تتسع لها الكلمات ولا تفي بها الأشكال الواقعية.
المبدأ الأول في دليل الذائقة التجريدية يقتضي منا تحولاً ذاوياً في الطرح: استبدل سؤالك التلقائي «ما الذي تعنيه هذه اللوحة؟» بسؤال أكثر عمقاً وأصالة: «ما الذي تثيره هذه الألوان والخطوط في داخلي الآن؟».
التجريد لا يخاطب العقل المنطقي الذي يحاول الاستنباط والمحاكمة إنما يخاطب العاطفة الشفيفة والذاكرة البصرية التراكمية، إنه يشبه تماماً المعزوفة الموسيقية ففي الوقت الذي تستمع فيه إلى سيمفونية كلاسيكية عزفتها آلات الفيولين والبيانو، أنت لا تلتفت إلى الموسيقار لتسأله ماذا تقصد بالنوتة الصاعدة في الحركة الثانية؟ هل تحكي عن شجرة أم عن هبوب الرياح؟، أنت بكل بساطة تغمض عينيك وتدع النغمات المنسابة تأخذك نحو الحزن، الحماس، أو السكينة. اللوحة التجريدية هي بالضبط «موسيقى بصرية» ألوانها هي النوتات وخطوطها هي الإيقاع واللحن.
أدوات التذوق أمام القماش
حين تقف في المرة القادمة أمام عمل تجريدي ضخم لا تستعجل بالمرور السريع ولا تجهد ذهنك بالتحليل الذهني الجاف. جرب أن تمارس طقوس الرؤية عبر خطوات سردية متدرجة لتأسيس علاقة حية ومباشرة مع اللوحة:
الوقوف عند مسافة التنفس: ابتعد عن اللوحة خطوتين إلى الخلف. لا تنظر إليها بتركيز حاد على جزئية صغيرة، بل دع عينيك تطوف بحرية على التكوين العام، هل يبدو لك العمل متوازناً وهادئاً؟ أم أن الثقل والكتلة اللونية يتجمعان في جهة واحدة ليخلقا نوعاً من التوتر والدراما البصرية؟
استشعار حركة الخط وإيقاعه: تتبع مسار الخطوط على القماش هل هي خطوط هندسية أو حادة، أو مستقيمة كأنها صُممت بمسطرة حديدية؟ (هنا تأخذك اللوحة نحو النظام، العقلانية، والتأمل الهادئ). أم أنها خطوط عاصفة، متداعية، ومسكوبة بضربات سريعة؟ (هنا تنقل لك اللوحة الحضور البدني والانفعال اللحظي المباشر للفنان أثناء الإنتاج).
دراما اللون والملمس: اقترب خطوة إضافية ولتكن عينك على كيمياء المادة الفنية. هل الألوان مصقولة وشفافة تتدفق بسلاسة؟ أم أن هناك طبقات سميكة وكثيفة من معجون الزيت تمنح اللوحة ملمساً بارزاً يستفز حاسة اللمس لديك؟ إن الملمس في الفن التجريدي هو بمثابة التوقيع الحركي الذي يوثق الطاقة التي بذلها الفنان وهو يواجه سطحه الأبيض.
شعرية الفراغ والضوء: لاحظ المساحات التي قرر الفنان بوعي أن يتركها فارغة، والمناطق التي سمح للضوء بأن يتسلل منها. الفراغ في التجريد ليس مساحة مهملة أو ميتة، بل هو المساحة التي تتيح لعين المتلقي أن تتنفس، وتتهيأ قبل أن تنتقل إلى التوهج الملون التالي.
التجريد العربي
في مجتمعاتنا العربية يمتلك المتابع جسراً ثقافياً ثرياً وأصيلاً للوصول إلى فهم التجريد دون أن يستشعره وافداً غريباً أو نمطاً مستورداً من الغرب فحسب، إن التجريد يمتد بجذوره العميقة في بنيتنا البصرية والموروث الثقافي الشرقي.
الفنان العربي الذي رسم تجريده على جدران الكهوف وفوق الصخور الكبيرة وعلى الألواح الحجرية، ومن بعده الفنان المعماري والصانع العربي في العصور الإسلامية الكلاسيكية لم يلتفت إلى تشخيص الكائنات أو محاكاة الوجوه، بل ابتكَرَ مدرسة عالمية في التجريد منها الهندسي التي تمثلت في فن «الرقش» (الأرابيسك) والمقربات والتوريق. كانت تلك الخطوط والأشكال الهندسية المتداخلة تأخذ عقل المتأمل في رحلة روحانية لا تنتهي نحو المطلق حيث لا بداية للشكل ولا نهاية.
وعندما جاء الفنان العربي المعاصر استلهم هذا الرصيد البصري الثري؛ فرأينا مدرسة «الحروفية التشكيلية» التي قادها رواد كبار في العراق، وسوريا، ومصر، والسودان، والخليج العربي. أخذ هؤلاء الرواد الحرف العربي وفرغوه تماماً من معناه اللغوي القاموسي المباشر، لتتحول الألف إلى سيف من الضوء والنون إلى قوس يحتضن الفراغ والواو إلى انحناءة روحية تعج بالحركة، ورأينا تجريديين عرباً يستلهمون ألوان الصحراء الذهبية ضوء الشموس المشرقية والأفق وزخارف السجاد البدوي ليقدموا للعالم تجريداً أصيلاً يتنفس الهوية الشرقية بكل ثقلها الروحي والفلسفي.
اللوحة تكتمل في عينيك
إن الجمال الحقيقي والمغامرة الفذة في الفن التجريدي يكمنان في الحرية الكبيرة التي يمنحها للمتلقي. في الفن الكلاسيكي يفرض عليك الفنان الرؤية بدقة يستوقفك ويقول لك بصراحة «هذا هو الشخص، وهذه هي المعركة، وهذا هو مكان الحزن».
أما في الفن التجريدي فإن الفنان يقدم لك نصف التجربة فقط ويترك لك النصف الثاني المكمل لها يفرش لك السطح الملون ويطلب منك أن تسكب فيه تجربتك، مشاعرك، وذاكرتك الخاصة.اللوحة التجريدية ليست نصاً مغلقاً يحمل تأويلاً واحداً يمتلكه النقاد وحدهم، هي مرآة بصرية تفاعلية، ما تراه فيها من بهجة، غموض، توتر، أو سكينة ليس سوى انعكاس صادق لما تحمله في داخلك وفي روحك في تلك اللحظة بالذات.
الشغف في حضرة المجهول
في المرة القادمة التي تخطو فيها داخل معرض للفن المعاصر وتقف أمام قماش يزدحم بالألوان أو يتوشح بمربع أحمر وحيد، لا تقفز فوراً إلى كتيب المعرض بحثاً عن شرح مجفف ولا تستشعر الخجل لأنك لم «تفهم» المعنى المباشر.
خذ نفساً عميقاً وخفف من حدة الأسئلة المنطقية في رأسك، دع عينيك تسافران بين ضربات الفرشاة وملمس اللون، واستمتع بتلك التضادات اللونية، إن تلك اللحظة الخالصة من الشعور والتأمل البصري هي كل ما أراد الفنان أن يهبك إياه، وهي السر الحقيقي لقراءة اللوحة التجريدية دون أن تفقد شغفك الساحر.
** **
X: AL_KHAFAJII