سلمان بن محمد العُمري
إن التحول المجتمعي المتسارع يفرض علينا إعادة النظر في أولويات التأهيل التعليمي؛ فبينما كانت المناهج الدراسية للبنات في العقود الماضية تركز على مادة «التربية النسوية والتدبير المنزلي» لتعليم الطالبات الحياكة والخياطة والطبخ كمهارات أساسية لإدارة المنزل، وكذلك «الاقتصاد المنزلي» في الجامعات، فإن متطلبات العصر الحالي تجاوزت مجرد المهارات المادية إلى حاجة أعمق بكثير. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى صياغة منهج جديد يدرّس للشباب والشابات في جميع الأقسام الجامعية، الأهلية منها والحكومية، يتمحور مضمونه حول فقه العلاقات الاجتماعية وأسس بناء الأسرة الصالحة، خاصة بعد أن تفشت في الحياة الزوجية المعاصرة عادات ذميمة وغريبة عن هدي الوحيين، غلبت فيها الأهواء وتأبتها نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، مما رسخ سلوكيات في العشرة والطلاق يبرأ منها الدين.
إن الأصل في الحياة الزوجية أنها شركة مصيرية كاملة ربط فيها كل طرف مساره بالآخر، ولا سيما المرأة التي أسلمت للرجل زمامها ليكون مسؤولاً عن حسن رعايتها وصون كرامتها، في ظل منظومة حقوق مشتركة تتجلى في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). وإن تميز الرجل بدرجة القوامة ليس تشريفاً للاستبداد أو وسيلة لإذلال المرأة واستعبادها، بل هو حكمة ربانية بالغة تراعي الفطرة النفسية والعاطفية لكلا الطرفين؛ فالمرأة بطبيعتها جياشة المشاعر وسريعة الانفعال، وإذا هاجت عاطفتها قد تسيطر على تفكيرها، بينما يمتلك الرجل قدرة فطريّة على إبقاء جانب من تفكيره بمنأى عن عواصف العاطفة، مما يجعله بمثابة الربان الماهر القادر على قيادة سفينة الأسرة في خط ملاحي آمن وسط أمواج الحياة المتلاطمة، ولو ترك المقود للعاطفة الرعناء لتحطمت السفينة في بداية طريقها، ومن هنا أكد التشريع الإسلامي على أن العشرة قائمة على الود والوئام والرحمة كما في قوله سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وحتى إن دعت الضرورة للفراق، فإنه يكون بالفضل والنبل كما نصت الآية (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، بعيداً عن الكيد والإساءة، وتتجلى عظمة هذه الرابطة في قوله تعالى: (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ)، حيث يندمج الزوجان في هوية مشاعرية واحدة تذوب فيها الأنانية، ليشعر كل منهما بنبض الآخر وهواجسه، مقدرين ذلك «الميثاق الغليظ» الذي يطوق أعناقهم أمام الله، وفي غياب هذا الوعي المشترك، تبرز مهددات صامتة تدمر البيوت، أولها آفة أحادية الرأي التي تتجسد في إصرار أحد الطرفين على موقفه ورفض الاستماع لشريكه، مما يولد تصادماً مستمراً وشعوراً بالاختناق والتهميش يقود حتماً إلى البرود العاطفي والانفصال النفسي، ويتزامن مع ذلك خطر عدم الاهتمام بالآخرين، والذي يجعل الشريك يشعر بأنه غير مرئي أو غير مهم، مما يفقد العلاقة روح التفاعل الإنساني والتواصل الحيوي، ويحول الزواج إلى مجرد أداء أدوار وظيفية جافة خالية من الروح، ويكتمل هذا الثالوث المدمر بـفقر المشاعر، حيث يغيب التعبير عن الحب والتقدير والدعم، لتتحول العلاقة إلى طابع رسمي بارد يفسره الطرف الآخر على أنه رفض أو لامالاة، مما يعجل بالتفكك الوجداني وبناء حواجز نفسية يصعب عبورها، وإن علاج هذه المعضلات لا يكون بالشعارات، بل بالعمل الجاد لتأهيل الشباب والشابات من خلال تلك المناهج الجامعية والدورات التدريبية المكثفة التي تركز على تنمية مهارات الحوار، والوعي الذاتي، وحسن الإصغاء، والتعبير العاطفي الصادق، والاحترام المتبادل، لضمان بناء أسر مستقرة ومجتمعات متماسكة تقاد بمتانة الإيمان وبحكمة العقل ورحمة القلوب.