د. تنيضب الفايدي
الموت هو المصير المحتوم لكلّ كائن حيّ، فكلّ نفس ذائقة الموت، لكن رحيل بعض الأشخاص يترك فراغاً في المجتمع يصعب ملؤه، وكسراً يعسر جبره، وثلمة لا تُسدّ، ومنهم المؤرخ الأديب الأستاذ/ محمد صالح البليهشي رحمه الله رحمة واسعة، حيث وافته المنية يوم الخميس 23 صفر 1448هـ بعد مسيرة علمية وثقافية امتدت لعقود. وقد أديت عليه الصلاة في المسجد النبوي الشريف ودفن في مقبرة بقيع الغرقد.
وُلد الأستاذ محمد البليهشي في قرية المَضِيْق بوادي الفرع عام 1365هـ، وتلقّى تعليمه الأوّلي في كُتّاب الشيخ مفلح الشاماني بأحد مساجد قرية المضيق، التحق بالمدرسة الابتدائية بنفس القرية عام 1374هـ، ثم التحق بمعهد المعلمين بالمدينة عام 1382هـ، حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1388هـ، حصل على ثانوية المعهد العلمي بالمدينة التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1390هـ، حصل على شهادة الليسانس في الشريعة من جامعة الإمام عام 1395هـ. أول تعيين له في سلك التعليم مُعلّماً في المدرسة المحمدية النموذجية بالمدينة في موقعها الأول في حوش منصور، ثم تدرج إلى المراحل التعليمية معلماً وقائداً تربوياً حتى أصبح مديراً للمدارس ولاسيما الثانوية. وانطلاقاً من حرصه العميق على تعليم الأجيال وتربيتهم، فقد أسس مدارس القصواء الأهلية لتشمل كافة المراحل الدراسية، ويتولى بنفسه دفّة إدارتها.
يُعدّ الفقيد من ألمع المؤرخين والباحثين؛ إذ ترك بصمات واضحة في الأدب، والثقافة، والإعلام، والتراث، والتعليم، مخلفاً إرثاً وطنياً وثقافياً ثرياً توّجه نيل جوائز رفيعة التقدير، كما أن له جهوداً بارزة في توثيق تاريخ المدينة المنورة ومظاهرها الاجتماعية ومحافظاتها، حيث أصدر عدداً من المؤلفات في المدينة وغيرها، أصبحت مرجعاً للباحثين والمهتمين، تميزت كتاباته بصحة الكلام ودقة المراجع وأسلوب أدبي رفيع. من أبرز مؤلفاته: كتاب (المدينة المنورة في عهد الملك عبد العزيز آل سعود 1344هـ/ 1373هـ)، مدينة بدر التاريخية، وادي الفرع تاريخ وحضارة، رسائل في حبّ الوطن، وكتاب «المدينة المنورة» ضمن سلسلة «هذه بلادنا وغيرها من المؤلفات. وقد شارك الفقيد في عدد من الندوات التي تُبرز تاريخ طيبة الطيبة وتُعرّف بموروثها الحضاري، فبوفاته فقدت الساحة الثقافية السعودية أحد أبرز أعلامها في العلم والتاريخ، ممن أسهموا في حفظ تاريخ المدينة المنورة وتوثيق موروثها للأجيال القادمة.
وإلى جانب خلقه الرفيع وأدبه الجمّ، كان نموذجاً حياً للتواضع، ومثالاً يحتذى في حرصه الدائم على تعليم الأجيال وتربيتها، ويشهد على ذلك العارفون به والقريبون منه؛ أقطاب النادي الأدبي بالمدينة المنورة حيث كان عضواً فاعلاً ورفيقاً لمؤسسه الأديب الراحل عبد العزيز الربيع، ورجال التعليم الذين عرفوه معلماً ناجحاً ومديراً محبوباً، وزملاء الصحافة الذين عايشوه حيث عمل مندوباً صحفياً، وأشرف على صفحة المدينة في جريدة المدينة عشر سنوات، وشغل منصب مدير مكتب جريدة الندوة بالمدينة عدّة سنوات، متفرداً بأسلوب أدبي عذب يتسم بالعفوية والصفاء والانحياز للقيم الإنسانية.هذه الرحلة الطويلة الحافلة بالعطاء العلمي والحِراك التربوي، ستترك أثراً عميقاً في قلوب الأجيال، سواء في ميادين التربية والتعليم، أو في رحاب الصحافة والفكر.ويتقدم الكاتب بخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد الكريمة، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان، وأن يجزه عن وطنه ومجتمعه خير الجزاء. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.