سارة المطيري
يستوقف الدارسَ للنصوص الشعرية الكبرى أنها لا تستنفد معانيها مع القراءة الأولى، ولا تنحصر دلالاتها في وجهٍ واحد، وإنما تتجدد كلما اختلفت زاوية النظر إليها، وتلك سمة لازمت كثيرًا من عيون الشعر العربي، حتى غدت بعض أبياته موضوعًا لقراءات متعاقبة عبر القرون، يضيف كلٌّ منها وجهًا جديدًا إلى المعنى، دون أن ينقض ما سبقه، ويُعد بيت امرئ القيس:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ، مَعًا
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
من أكثر الشواهد الشعرية قدرةً على استثارة هذا النوع من القراءة؛ لما يشتمل عليه من كثافة تصويرية، واتساعٍ دلالي، جعل البلاغيين والشارحين يتناولونه بأكثر من وجه.
تنبَّه البلاغيون العرب إلى ظاهرة اتساع الدلالة، وإن اختلفت طرائق عرضها ومصطلحاتها، فقد أشاروا إلى أن الكلام البليغ قد يحتمل أكثر من معنى صحيح، ما دام كل وجه تؤيده اللغة والسياق، وأن هذا الاتساع ليس اضطرابًا في الدلالة، ولا خروجًا عن مقاصد البيان، وإنما هو طاقة تعبيرية تمنح النص ثراءً ومرونة، مع احتفاظه بوحدته وانسجامه، لذلك لم يكن تعدد الوجوه عندهم عيبًا، وإنما قد يُعد من وجوه البلاغة، متى استند إلى احتمال لغوي معتبر. وتلتقي هذه الفكرة، من بعض وجوهها، مع ما انتهت إليه نظرية التلقي في النقد الحديث التي طوّرها هانس روبرت ياوس وولفغانغ إيزر؛ إذ جعلت القراءة عنصرًا أساسًا في تشكل المعنى، وعدّت النص الأدبي بنيةً تتيح إمكانات متعددة، لا يكتمل حضورها إلا بتفاعل القارئ معها، ولا يُراد من هذه المقاربة القول بتطابق المفهومين أو وحدة منطلقاتهما التاريخية والمعرفية، وإنما الإشارة إلى مساحة مشتركة تتمثل في الاعتراف بأن النص الأدبي قد يستوعب أكثر من قراءة مشروعة، دون أن يفقد تماسكه.
يقدم بيت امرئ القيس نموذجًا واضحًا لهذه السعة الدلالية، فالشاعر لا يصف فرسه وصفًا مباشرًا، وإنما يبني صورة تقوم على اجتماع صفات تبدو متضادة: «مِكَرٍّ مِفَرٍّ، مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ، مَعًا». وهذا التركيب يثير بطبيعته سؤالًا تأويليًا؛ إذ كيف تجتمع هذه الصفات في لحظة واحدة؟ ولا يقدم النص جوابًا صريحًا، الأمر الذي يدفع القارئ إلى البحث عن وجه يحقق الانسجام بين ألفاظ البيت. ذهب بعض الشراح إلى أن المراد اكتمال صفات الفرس؛ فقد بلغ الغاية في الكر والفر، والإقبال والإدبار، حتى استوت خصاله، ولم تطغ إحداها على الأخرى. وذهب فريق آخر إلى أن التشبيه بقوله: «كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ» يعزز معنى القوة والصلابة وشدة التحمّل، فتغدو الحركة مقرونةً بالرسوخ، لا بالسرعة وحدها، ويمكن أن تُقرأ العبارة من زاوية أخرى ترى أن الشاعر بالغ في تصوير سرعة الفرس، حتى بدا للرائي، من شدة اندفاعه، كأنه يجمع الإقبال والإدبار في لحظة واحدة، وهي قراءة تنطلق من الأثر البصري الذي تُحدثه السرعة الفائقة.
ولا يظهر ما يقتضي إقصاء أحد هذه الوجوه، ما دامت جميعها منسجمة مع البنية اللغوية للبيت، ومستندة إلى ما يحتمله التركيب، وهذه السعة هي التي تمنح النص قابليته للتجدد، وتجعل كل قراءة تضيف بعدًا إلى المعنى، دون أن تحتكره.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى بيت امرئ القيس بوصفه مثالًا تتقاطع فيه بلاغة الاتساع مع بعض مبادئ نظرية التلقي؛ فالنص لا يفرض معنى واحدًا مغلقًا، ولا يطلق الدلالة من كل قيد، وإنما يتيح مجالًا لتعدد القراءات المنضبطة بحدود اللغة والسياق، ويصبح القارئ مشاركًا في استكشاف الإمكانات الكامنة في النص، لا منشئًا لمعنى منفصل عنه.
ولا تعد هذه القراءة سوى اجتهاد يحتمل المراجعة والنقاش، ومحاولةً للكشف عن بعض ما يتيحه النص من إمكانات دلالية، دون ادعاء الإحاطة بجميع وجوهه. فالنصوص الكبرى تظل قادرة على استيعاب قراءات متجددة، وتبقى قيمتها الجمالية مرتبطة بما تمنحه اللغة من سعة، وما تتيحه القراءة من اكتشاف مستمر.