م. عبدالإله الطويان
أظن أننا نتفق مع معظم النقاد والمشتغلين في حقول الأدب والرواية وتاريخ الأفكار والثقافة، على أن الكاتب الكبير دوستويفسكي يُعد أحد الروافد الحيوية التي أسهمت في تشكيل الرواية العالمية، إلى جانب تولستوي، وغوغول، وتشيخوف، وغيرهم من كتّاب تلك الحقبة. فهؤلاء الكتّاب يمثلون الجوهرة في تاج الأدب الروسي، الذي طاله كثير من العبث الأيديولوجي وإساءة القراءة في إطار الأيديولوجيات المختلفة، أو التلقف عبر اقتباسات غير دقيقة. وقلما نجد اليوم، في عالمنا الثقافي، من لم يبدأ سلسلة قراءاته الأدبية بإحدى روائع الترجمات العربية للأدب الروسي.
ولن أبالغ إذا قلت إن دوستويفسكي واحد من أكثر الكتّاب شهرة في العالم، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، لأسباب كثيرة؛ منها أنه قدّم نموذجًا وجوديًا لكيان الإنسان وآلامه، وأصبح أشبه بمبضع الجراح في الكشف عن النفس البشرية، إضافة إلى سعيه لتكريس رؤية كونية متشددة لما يمكن تسميته بالإنسان العابر خارج ذاته. لذلك جاءت أشهر رواياته «الجريمة والعقاب» لتُحدث وقع الصاعقة في القيم الإنسانية، عبر طرحها لإشكالية الموت والقتل، فنالت انتشارًا واسعًا، ولا سيما في عالمنا العربي.
وأظن أن كثيرًا من المثقفين العرب يذكرون الكيفية التي أسهم بها هذا الكتاب في تشكيل ثقافتهم الأولى، عندما شهدت الوجودية انطلاقتها المتفجرة في العالم العربي.
ولست أستشهد بهذه الرواية الخالدة دون غيرها؛ فهي تتناول النفس والإنسان والفكر والإيمان والوجود والدين والله والملائكة والشياطين، وهي الموضوعات التي صوّرها في أعمال عديدة، جاءت مختلفة؛ فتارةً يتصارع الرحمن والشيطان، والخير والشر، والحقيقة والزيف، وكل ذلك داخل نفس الإنسان، كما في رواية «الإخوة كارامازوف». وتارةً أخرى تظهر تنبؤاته اللافتة بظهور الأنظمة الشمولية والصراعات الأيديولوجية التي شهدها العالم لاحقًا، وكأنه يستشرف المستقبل برؤية نبي. أما رواية «الأبله»، فلا تزال تحظى بحضور واسع في الدراسات الفكرية والنفسية، لما تطرحه من أسئلة حول البراءة والانتقام والنهاية التأويلية الهادئة للأمير ميشكين.
تعرفت إلى دوستويفسكي عام 2009، ذلك الاسم المهيب في الصناعة الأدبية والفلسفية والنفسية، عبر توصية من صديق وأستاذ، في زمن لم تكن كتبه تُصنف ضمن الأدب التجاري. آنذاك، كانت رفوف المكتبات تعكس صورة الذائقة الثقافية أكثر مما تعكس قيمة الأعمال نفسها. نعم، لطالما كانت المكتبات مرآة للثقافة السائدة، أو ربما للانطباعات المتوارثة عن كتب لم تُقرأ أصلًا.
لكن الغريب أن سنوات قليلة فقط فصلت بين اكتشافي له وبين تحوله إلى «أسطورة اقتباسات» تتصدر أغلفة الكتب، تمامًا كما حدث مع ميلان كونديرا، الذي عبّر عن امتعاضه من خلط القارئ بين صوت الكاتب وأصوات شخصياته، وكأن السارد، بحسب كونديرا، ليس سوى دمية سردية تتحرك في فضاء الرواية بمعزل عن رؤية الكاتب الفلسفية. لا أخفي أن حديثي عن دوستويفسكي يثير في نفسي تناقضًا غريبًا؛ فهو، من جهة، روائي استثنائي كتب روايات مثل «الإخوة كارامازوف»، التي تدور حول الصراع الأبدي بين الإيمان والشك والحرية، ومن جهة أخرى مفكر استطاع أن يختزل الثقافة الأوروبية في أعماله، حتى وصفه نيكولاي برديائيف بأنه أعظم مكتشف للإنسان.
لكن كيف لرواية مثل «الجريمة والعقاب» أن تحلل عقل القاتل دون أن تبرره، بينما يرد في «الإخوة كارامازوف» القول الشهير: «إن لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح»؟ لم تكن تلك عبارة وعظية، وإنما سؤالًا أخلاقيًا ما زال يطارد الفلسفة الحديثة.
المفارقة أن هذه الثنائية العميقة في فكر دوستويفسكي، الروائي والمفكر، جرى تجاوزها لصالح اختزاله في آلة اقتباسات جوفاء. لقد تحول صاحب مقولة «الجمال سيخلّص العالم» إلى سلعة ثقافية تزين الرفوف، بينما تُدفن أعماله في زوايا النسيان. أترى، هل استنفد أدبه طاقته حتى صرنا نقيمه عبر انطباعات من لم يقرأوه؟
كم شخصًا أعلن حبه لدوستويفسكي، وهو لم يُكمل رواية واحدة له؟ سؤال يبدو مستفزًا، لكنه يصف مشهدًا يتكرر كل يوم. يكفي أن تُنشر صورة لغلاف «الجريمة والعقاب» أو عبارة منسوبة إليه، حتى تتدفق التعليقات: «عبقري!»، «فيلسوف الإنسانية!»، «أعظم من كتب عن النفس!»، ثم ينتهي الاحتفاء عند هذا الحد.
لا أخفي هذا الشعور المحبط، الذي حوّل دوستويفسكي إلى شهادة انتماء إلى طبقة ثقافية أكثر منه تجربة قراءة. لقد تحول الكاتب، الذي كان يقود قارئه إلى مناطق معتمة من ذاته، إلى شعار أنيق يُعلّق على الجدران الرقمية، و«ستوريات» منشورة بكلام مشعث، يلعن أوله آخره.
دعونا نغوص في عالم هذا الكاتب الحجة، وأقصد هنا دوستويفسكي نفسه، الذي وصف الطبيعة البشرية قبل أكثر من 150 عامًا، حين كتب في «مذكرات من تحت الأرض»: «أنا إنسان مريض... أنا إنسان حقود». بدأ ال رواية باعتراف صادم، ليقول إن الإنسان لا يبدأ دائمًا من الفضيلة، وإنما من شروخه. ولهذا تبدو شخصياته حية حتى اليوم، لأنها تشبهنا أكثر مما نحب الاعتراف.
أذكر أنني عندما قرأت «الإخوة كارامازوف» للمرة الأولى، لم أغلق الرواية وأنا أشعر بالإعجاب، بل بشيء أقرب إلى الإرهاق. كنت كمن خرج من جلسة تحقيق طويلة مع نفسه. تلك ليست رواية تمنح القارئ متعة عابرة، وإنما تجرده من يقيناته قطعةً قطعة. وربما لهذا السبب يخشاها كثيرون؛ فهناك كتب تملأ الذاكرة، وهناك كتب تعيد تشكيلها. والحصيلة أنه يبدو مؤلمًا أن يُختزل كل ذلك الإرث في صورة بالأبيض والأسود، أو في عبارة تتناقلها الحسابات دون أن يعرف أحد سياقها، ولا الشخصية التي نطقت بها داخل الرواية، ولا الغاية التي كُتبت من أجلها. إننا لا نخسر دوستويفسكي وحده، وإنما نخسر طريقتنا في القراءة. فالرواية ليست منجمًا للاقتباسات، وإنما تجربة وجودية كاملة، يدخلها القارئ شخصًا ويخرج منها شخصًا آخر. مر قرن ونصف على رحيل دوستويفسكي، لكن العالم ما زال يكرر إقصاءه بطريقة أكثر مكرًا؛ بتحويله إلى أيقونة إعلامية فارغة، أو إلى مناسبة ثقافية نستحضره فيها شاهدًا على ذاكرتنا الهشة. وما يحدث معه اليوم يكاد يكون انتصارًا للسوق على الأدب؛ فالرواية التي احتاجت سنوات من المعاناة والديون والمنفى والسجن لتُكتب، أصبحت تُختزل في بطاقة مصممة بعناية، أو مقطع قصير لا يتجاوز ثوانٍ معدودة. عند تلك اللحظة، يتوقف دوستويفسكي عن كونه كاتبًا، ويبدأ بوصفه علامةً تجارية.