أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
في المساق الماضي تطرَّقنا إلى بعض إشكالات الثقافة العَرَبيَّة اليوم والبلاغة والترجمة. وممَّا جاء فيه أنَّ مصطلح الترجمة يملأ الحيطان، غير أنَّ المحصول منها قد يكون ضرره أكبر من نفعه. على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضُرِبت على ذلك، بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة). قلتُ لمحاوري (ذي القُروح):
- كنتَ قد أشرتَ إلى أن «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (رنتز G. Rentz)، تزعم: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ماذا عن الملحوظات الأخرى؟
- منها أنَّ المؤلِّف كتبَ عن صيغة (جازان) أنَّها: «لا تزال تُستعمَل كثيرًا وخاصَّة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها.» والحقُّ أنَّها ظلَّت مستعملةً، وشواهدها ماثلة، منذ القرن السادس الميلادي إلى اليوم. وذلك بناءً على أقدم نصٍّ يمكن العثور عليه، من حديثٍ نبويٍّ، أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(1)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحِبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وأوردَه (ابن الأثير)، في «النهاية في غريب الحديث والأثر»(2)، بروايةٍ أخرى: «أَنَّ رَجُلًا سأَلَ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلَّم، عن البَداوَة، فقال: «اتَّقِ اللهَ ولا يَضُرُّكَ أَن تَكُونَ بجانبِ ضَمَدٍ».» ولعلَّ ما ورد في هذه الرواية الأخرى للحديث ليس بأكثر من تصحيف لما ورد في الرواية الأولى؛ حيث صُحِّفت عبارة «بجازان وضَمَد» إلى: «بجانب ضَمَد». ومهما يكن من شيء، فليس هذا بمجال البحث في صحَّة الحديثَين (أو الروايتَين)؛ ولكن في دلالتهما على اسم المكان الصحيح.(3)
كما أشار الشاعر الغَزِل المشهور (أبو دَهْبَل الجُمَحي، -63هـ= 682م) في شِعره إلى (جازان) ومواطنها. ولا غرو فـ(الأصفهاني)(4) يذكر أن (سليمان بن عبد الملك) كان قد أقطعَ أبا دهبل قطيعة (بحاذان) باليَمَن. وأغلب الظن أنَّ (حاذان) هاهنا ما هي إلَّا تصحيف (جازان)؛ لأنَّ «حاذان» اسمٌ لا ذِكر له في ما تحت أيدينا من كتب البُلدان المعروفة قديمة أو حديثة؛ ولأنَّ أبا دَهْبَل يذكر (جازان) في شِعره ويدعو لها بالسُّقيا، في مثل قوله:
سَقَى اللهُ جـازانًا، فمَن حَلَّ وَلْيَهُ،
فكُـلَّ فَسيلٍ مِن سَهامٍ وسُـرْدُدِ
ومحصولَه، الدَّارَ الَّتي خيَّمتْ بها
سَقاها، فأَرْوَى كلَّ رَبعٍ وفَـدْفَـدِ
فأنتِ التي كلَّفتِني البِرْكَ شاتِـيًا
وأورَدْتِنِـيهِ، فانظُري أيَّ مَوْرِدِ(5)
يُذكَر أنَّ (عبدالله بن الزُّبير) كان قد ولَّى الشاعر (أبا دهبل) بعض أعمال (اليَمَن)(6)، حتَّى ليُؤنَس من إشارات شِعره أنَّ تلك الولاية التي تولَّاها لابن الزُّبير إنَّما كانت بجازان، أو قريبًا منها. ذلك أنَّ (جازان) في الأصل إنَّما هو اسم الوادي (وادي جازان)، وقد يُطلَق على جِواره من قَبيل إطلاق اسم بعضٍ على كُل، أو خاصٍّ على عام. قال (الزَّبيدي)(7): «جازانُ: أَهْمَلَهُ الجَوْهرِيُّ. وهُوَ (وادٍ باليَمَن)، سُمِّيَتْ بِهِ القَرْيةُ المَوْجودَةُ الآنَ على البَحْرِ المِلْحِ.» ثمَّ لمـَّا جاء توزيع المناطق الإداريَّة في العهد السُّعودي، وكان مركز الإمارة بذلك القطاع في مدينة جازان، سُمِّيَتْ المنطقة التابعة للمركز كلُّها باسم منطقة جازان، أي التابعة لمركز الإمارة في مدينة جازان. وكنتُ قد تطرَّقت إلى هذا في دراستي تحت عنوان «الحركة الثقافيَّة والفكريَّة المعاصرة في منطقة جازان: (معالم وآفاق)»، ضِمن «موسوعة المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة»، التي أصدرتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، سنة 1428هـ، في المجلد الحادي عشر، الخاص بـ(منطقة جازان)، الباب الخامس، «الحركة الثقافيَّة»، ص375-421.(8) وبُلد انيًّا أشار (الهمداني)(9)، إلى (جازان) بالألف، لا بالياء. وممَّا أورده قوله: «منفهق جابر، وهو رأس غزيرٌ كثير الرِّياح حديدها، إلى الشَّرجة ساحل بلد حَكَم، فباحة جازان، إلى عَثَّر...»، وفي موضع آخَر: «ثمَّ بعد وادي خلب وادي جازان ووادي ضَمَد». كما قال: «والهَجَر القرية بلغة حِمْيَر والعَرَب العاربة، فمنها: هَجَر البحرين، وهجر نجران، وهجر جازان.» وأورد قول الشاعر (أبو الحيَّاش الحِجْري، من الحِجْر بن الهِنْو):
سُقِيَتْ بُرهةً قُرَى خُلَبٍ منـ
ـها فجازانُ تلك فالصَّبياءُ(10)
ولقد بقيتْ تلك التسمية مستعملةً لدَى الناطقين باسم هذا المكان على صيغته الصحيحة، من أبناء المنطقة وغيرهم. واستمرَّ ذلك في التداول اللِّساني إلى القرن العاشر الهجري، تقريبًا. يشهد بهذا ما استشهد به (رنتز) نفسه، من أنَّ الملَّاح (شهاب الدِّين أحمد بن ماجد، -906هـ= 1501م) كان يشير إلى ميناء «جازان»، بهذا اللَّفظ، لا بلفظ «جيزان». ويذكر كذلك رُبَّان جازان المشهور: «عثمان الجازاني ?Uthma?n al- Dja?za?ni?».(11) ومع هذا فقد حرَّف المترجِم نصَّ المؤلِّف، الذي جاء فيه:
Writing in the late 9th/15th century, the master pilot Shiha?b al-Di?n A?mad b. Ma?djid [q.v.] gives instructions for entering Djayza?n (Dja?za?n) port.
فنبَّهَ المؤلِّف هاهنا بجعله (جازان) بين هلالَين إلى أنَّ هذا هو المستعمَل على لسان ) ابن ماجد(. أمَّا المترجِم، فساق الاسم بصيغة «جيزان»، ولم يلتفت إلى غير ذلك من النصِّ المترجَم.(12)
ولنا مزيد تفصيل، حول ما ورد في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، في المساق المقبل، بعون الله.
* مرفأ:
كَذَا، فلْـتَـلْـتَـقِ الآمَـاسُ يَـوْمِـيْ
بِفَجْـرِ غَـدِيْ، يَـنَابِـيْـعًا حَـبَالَـى
تُـرَوِّيْ شَاحِـبَ الأَزْمَـانِ فَـتْـحًا
مِنَ التَّارِيْـخِ يَـنْـتَـهِبُ الـمِحَـالا
إِذا ما سِيْـمَ خَـسْفًا، سَـامَ عَـسْفًـا
سِـبَاعَ الكَـوْنِ، إِنَّ لَـهُ اصْطِـيَـالا
فــآبَ كَقَشْعَمٍ ، قَــوْلًا وفِـعْـلًا،
وآبَ عُـدَاتُـهُ رَخَـمًـا خِـطَـالا!
(1) (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.
(2) تحقيق: محمود محمَّد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، (بيروت: دار إحياء التراث العَرَبي، (د.ت)، (ضمد).
(3) وإنَّما عبارة الحديث مَثَلٌ- على طريقة العَرَب في المبالغة- ضُرِب للبُعْد عن مجتمع الرسالة الأوَّل في مدينة رسول الله، لا يقتضي الطعن في البُقعة المذكورة لذاتها ولا في أهلها تخصيصًا، فضلًا عن تعميم ذلك زمنيًّا. وما يلفت هنا استنفار بعضٍ للدِّفاع عن أن يتعلَّق نصُّ الحديث بمكانٍ معيَّن، وإنْ بالتشكيك في صحَّة الحديث، أو باللجوء إلى التأويل، وإنْ بِلَيِّ أعناق النصوص. ولو أُخذِت النصوص بسياقاتها وأزمانها ومقاصدها، لما احتيج إلى شيء من ذلك كلِّه.
(4) يُنظَر: الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 7: 102، 105- 106.
(5) م.ن، 7: 105.
(6) ينظر: الزركلي، (1984)، الأعلام، (بيروت: دار العِلم للملايين)، 8: 125.
(7) تاج العروس، (جزن).
(8) يمكن مطالعة المادَّة المشار إليها على موقع الموسوعة، التابع لمكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، على شبكة «الإنترنت»:
https://qrcd.org/9bRA
(9) يُنظَر: (1974)، صِفَة جزيرة العَرَب، تحقيق: محمَّد بن علي الأكوع الحَوالي، (الرياض: دار اليمامة)، 92، 136، 167، 336.
(10) من الطريف أنَّ يطلع على الناس أحدهم منذ حين زاعمًا أنَّ الاسم (جيزان) بالياء، لكنَّ «الجباليَّة»- يقصد أهالي القطاع الجبَلي- لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! ومعنى هذا أنَّ كلَّ من أوردوا الاسم في التراث العَرَبي، منذ صدر الإسلام، كانوا جباليَّة، لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! بل الحقُّ أنَّ العامِّيَّات هي التي تميل إلى? إمالة كلِّ منصوب وكسر كلِّ مضموم.
(11) See: Rentz, George Snavely, (1991), DJAYZ?N (The Encyclopaedia of Islam, 2: 516- 518), Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies, (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.
(12) يُنظَر: دائرة المعارف الإسلاميَّة، (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملك سعود)