علي حسين (السعلي)
الاستماع إلى الشعر من خلال أمسية شعرية يحتاج إلى قدرة عالية على امتلاك أدوات فنية، وربما تكون معقدة، بل يحتاج إلى ذائقة مختلفة. وليس كل فرد منا قادرًا على الاستمتاع بما يسمع؛ إذ يحتاج الأمر إلى أذن صاغية، منتبهة، تلتقط كل حرف وبيت، فيتلقاه القلب قبل كل شيء، ثم يستقر فيه، فتطرب له الأسماع، وتهتز له أركان الروح.
فالاستماع ليس مجرد عملية تلقي لصدى صوت عابر، بل هو شعور يسري في الوجدان، ويلتصق بالفعل وردة الفعل. والشعر حسٌّ جمالي، يتطلب التهيؤ بكل الجوارح، من الشاعر والمتلقي على حد سواء، لتتجلى جماليات النص وبلاغة المعنى. فالشعر الحق هو الذي ينفذ إلى أعماق الروح وأدق التفاصيل، إلقاءً وسماعًا.
ولن أخوض كثيرًا في قراءة الشعر؛ لأن ما يعنيني هنا هو سماع الشعر: كيف نسمعه؟ وكيف نستمتع به؟
فالشعر لم يُكتب في الأصل، ولم يُلقَ، ليبقى صامتًا بين دفتي كتاب، أو ليُشاهد في أمسية ونحن لاهون، أو يُسمع سماعًا عابرًا دون إنصات، بل وُلد من رحم القصيدة بعد معاناة متعبة ومجهدة، تحمل كل ما يحسه الشاعر، ليجري على الألسنة، وتسير به الركبان.
وحين تسمع النص الشعري، أو تشاهده بصوت الشاعر أو غيره من أصحاب الأصوات الجهورية، فإنك تمنح أذنك فرصة لاختبار الجرس الموسيقي، وتجعلها تعانق القافية والوزن. وهذا التفاعل الصوتي يكسر حاجز الصمت بين الكلمة والقلب، وبين نفَس الشاعر وروح المستمع، فيستشفي بالشعر، ويجعل الجمال محسوسًا، لا مقروءًا فحسب، بل رحلة تنطلق ولا تنتهي.
وتتعدد أغراض الشعر وجمالياته بين الفصحى، التي تحاكي عمق اللغة وجمالياتها، والألوان الشعبية والفلكلورية، كالشيلات والأهازيج، التي تحمل عبق التراث وصوت الأرض. وهذا التنوع يصب في مصلحة المستمع، إذ يفتح أمامه دائرة واسعة من المتعة الفنية والثقافية والذائقة، فيتسع أفقه، وتتدفق الثقافة من نهر الشعر بأطيافه، ويزداد يقينًا بأن الشعر يتنفس في الجسد كما تتنفس الروح، بألف لسان، ولغة، ولهجة.
إنه الشعر، يا سادة، الجمال الإنساني.
فماذا إذا كانت الملقية شاعرة؟ وهل يتغير شيء؟