حذامي محجوب
منذ أن خرجت إيران من بوابة ثورة 1979، والعالم يبحث عن المفتاح الذي يمكن به فهم هذا البلد شديد التعقيد، حيث تتداخل العقيدة مع الجغرافيا، والتاريخ مع الطموح القومي، والثورة مع الدولة، والمصالح الوطنية مع الحسابات الإقليمية.
مرة عُلّقت الآمال على العقوبات، ومرة على التفاوض، ومرة على القوة العسكرية، ومرة على إنهاك النظام من الداخل.
وفي كل مرة تكررت الفكرة ذاتها: إذا أُضعفت السلطة في طهران، تراجع الخطر الإيراني.
لكن التجربة الإيرانية تقول إن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فالمشكلة لم تكن يومًا في شخص الحاكم وحده، ولا في مؤسسة بعينها، ولا حتى في البرنامج النووي أو الصواريخ أو الشبكات المسلحة التي بنتها طهران في محيطها.
هذه كلها ليست سوى أدوات ومظاهر لقوة أعمق، تستند إلى دولة واسعة المساحة، كبيرة السكان، غنية بالموارد، تمتلك قدرات بشرية وعلمية وصناعية معتبرة، ومؤسسات عسكرية وأمنية راكمت خبرات على مدى عقود.
وهنا تحديدًا يقع أحد أكبر أخطاء قراءة المشهد الإيراني.
لقد جرى التعامل معه طويلاً باعتباره «نظامًا» يمكن إسقاطه، بينما هو في الوقت نفسه «دولة» تستطيع إعادة إنتاج أدواتها حتى بعد خسارة جولة. قد يتغير النظام، لكن الدولة تبقى. قد ترحل القيادات، لكن المعرفة المتراكمة لا تختفي.
قد تُدمّر منشآت، لكن الخبرات التي بنتها لا يمكن القضاء عليها بضربة واحدة.
وقد تُهزم أداة من أدوات النفوذ، لكن الفكرة التي أنتجتها تستطيع أن تبحث عن أدوات جديدة.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف يسقط النظام الإيراني؟ بل: ماذا سيأتي بعده؟.
هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو جوهر أي استراتيجية واقعية تجاه إيران. فإيران ليست جزيرة معزولة يمكن إعادة تشكيلها بقرار خارجي. إنها دولة محورية في الشرق الأوسط، تطل على الخليج ، وتتصل جغرافيًا بالعالم العربي وآسيا الوسطى، وتمتلك موارد ضخمة من النفط والغاز، وتقع بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية للاقتصاد العالمي. وأي اضطراب استراتيجي كبير داخلها لن يبقى داخل حدودها.
لقد أثبتت التجارب أن القوة العسكرية تستطيع إلحاق أضرار كبيرة، لكنها لا تستطيع وحدها محو إرادة دولة، أو القضاء على خبرة مجتمع، أو اقتلاع ذاكرة مؤسسات تراكمت على مدى عقود. كما أثبتت العقوبات قدرتها على إضعاف الاقتصاد وإرهاق المجتمع، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير الخيارات الاستراتيجية للسلطة.
أما الاتفاقات، فقد تستطيع تقييد جانب من السلوك الإيراني في مرحلة معينة، لكنها تظل هشة إذا لم تتغير الحسابات التي دفعت طهران أصلاً إلى بناء منظومتها العسكرية والأمنية والإقليمية.
وهنا يجب أن نميز بوضوح بين إيران كدولة وشعب، وبين المشروع السياسي الذي حكم سلوك السلطة الإيرانية لعقود.
فليس من العدل اختزال الإيرانيين في سياسات حكومتهم، كما أنه من الخطأ اعتبار كل ما هو إيراني مرادفًا للتوسع أو المواجهة.
إن إيران مجتمع عريق، متعدد الثقافات واللغات والتيارات، يمتلك تاريخاً حضارياً عميقاً وطاقات بشرية هائلة. والإيرانيون ليسوا كتلة سياسية واحدة تتحرك بإرادة مركزية واحدة. لكن المفارقة أن هذا التنوع الاجتماعي والحضاري الكبير يعيش في دولة شديدة المركزية في صناعة القرار.
وهنا تكمن إحدى أهم العقد.. فكلما تركز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في مركز واحد، أصبحت الدولة أكثر قابلية لأن تتحول إلى أداة لتنفيذ رؤية السلطة المركزية. أما حين تتوزع الصلاحيات، وتصبح المؤسسات المحلية شريكاً حقيقياً في إدارة البلاد، وتخضع الموارد العامة للرقابة، وتصبح السياسة الخارجية أكثر ارتباطاً بمصالح المجتمع، فإن تكلفة المغامرة الخارجية تصبح أكبر، لأن القرار لم يعد ملكاً لدائرة ضيقة وحدها.
لذلك، فإن القضية ليست في تفكيك إيران، ولا في تمزيق خريطتها، ولا في تحويل تنوعها الداخلي إلى وقود لصراعات عرقية أو جغرافية.
القضية هي بناء دولة أكثر توازناً من الداخل. دولة تتوزع فيها المسؤوليات، وتخضع فيها القوة للمؤسسات، وتصبح فيها السلطة أقل قدرة على احتكار القرار الوطني.
وقد يكون توسيع الحكم المحلي، وتعزيز صلاحيات الأقاليم، وإعادة صياغة العلاقة بين المركز والمجتمعات المحلية، أحد المسارات الممكنة لإعادة بناء التوازن الداخلي، من دون أن تتحول الإصلاحات إلى مشروع تفكيك جغرافي.
وهذا الفرق جوهري.. فإيران مستقرة، مزدهرة، ومتصالحة مع محيطها ليست خطرًا على أحد. بل يمكن أن تصبح قوة اقتصادية وحضارية كبرى في المنطقة.
أما إيران التي تُوظَّف مواردها الهائلة في صراعات مفتوحة، وتُستخدم قدراتها العسكرية لبناء دوائر نفوذ خارج حدودها، فستظل مصدر قلق، حتى لو تغيرت أسماء المسؤولين في طهران.
ولهذا فإن الرهان على سقوط النظام وحده قد يكون قصير النظر. قد يسقط نظام ديني، ويأتي بعده نظام أكثر قومية وأقل أيديولوجية، لكنه يحتفظ بفكرة أن إيران يجب أن تكون القوة المهيمنة في محيطها.
وقد تتغير الشعارات، بينما تبقى الحسابات الجيوسياسية ذاتها.
فالانتقال من «إيران الثورة» إلى «إيران الدولة» لا يعني بالضرورة أن تصبح إيران مختلفة جذرياً في سياستها الخارجية.
المطلوب أعمق من تغيير الأسماء والشعارات. المطلوب أن تصبح الدولة الإيرانية أكثر ارتباطاً بمصالح مواطنيها، وأكثر خضوعًا للقانون والمؤسسات، وأقل قابلية لتحويل ثرواتها الوطنية إلى وقود لمشاريع خارجية لا يملك المجتمع قرارها.
من هنا أيضاً، فإن أي محاولة خارجية لفرض شكل سياسي محدد على إيران قد تنتج عكس ما تريده. فحين يشعر المجتمع بأن وحدته الوطنية وسيادته مهددتان من الخارج، يستطيع النظام، حتى وهو في أضعف حالاته، أن يعيد تقديم نفسه باعتباره المدافع عن الاستقلال والسيادة. وهذا تحديداً ما يجعل مستقبل إيران قضية لا يمكن أن تُكتب في عواصم أخرى. الإيرانيون وحدهم يملكون حق تحديد شكل دولتهم ومستقبلها.
لكن المجتمع الدولي يستطيع أن يهيئ البيئة التي تجعل الإصلاح ممكناً، وأن يربط الانفتاح الاقتصادي والسياسي بتغيير السلوك الإقليمي، وأن يحافظ في الوقت نفسه على قدرة ردع تمنع تحويل المفاوضات إلى مجرد وسيلة لكسب الوقت.
فالسياسة الأكثر واقعية ليست حربًا بلا نهاية، ولا تسوية بلا شروط، ولا انتظارًا سلبيًا لانهيار النظام. إنها استراتيجية طويلة النفس : ردع واضح، وضغط محسوب ودبلوماسية مشروطة.
دعم لحق المجتمع الإيراني في بناء مؤسسات أكثر توازناً. وإبقاء الباب مفتوحاً أمام إيران إذا اختارت أن تتحول من قوة تبحث عن النفوذ إلى دولة تبحث عن الازدهار. فالشرق الأوسط يحتاج إلى هذا التحول أكثر مما يحتاج إلى جولة جديدة من الحروب.
إيران قوية اقتصادياً، مستقرة داخليًا، منفتحة على جوارها، ومحكومة بمؤسسات قادرة على كبح اندفاع السلطة، يمكن أن تكون عنصر توازن إقليمي بدل أن تكون مصدرًا دائمًا للاضطراب.
أما إيران التي تستمر في الجمع بين مركزية القرار، واتساع القدرات العسكرية، والطموح الإقليمي، فإن تغيير الوجوه في قمة السلطة لن يكون كافياً.
لقد آن الأوان للخروج من الثنائية السهلة : إما بقاء النظام أو سقوطه. هناك خيار ثالث، أكثر صعوبة، لكنه أكثر استدامة : أن تتغير العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع. فالمشكلة ليست أن إيران قوية.
القوة ليست جريمة، والقدرة ليست تهديداً في حد ذاتها.
المشكلة تبدأ عندما تنفصل القوة عن المساءلة، وعندما تتحول موارد الدولة إلى أدوات لمشروع لا يخضع لإرادة المجتمع.
وليست المشكلة أن لإيران مصالح إقليمية، فكل دولة تمتلك مصالح. المشكلة هي أن تتحول تلك المصالح إلى شبكة من الأدوات العسكرية والسياسية التي تجعل استقرار دول الجوار رهينة لحسابات مركزية في طهران.
في النهاية، لا يحتاج العالم إلى إيران منهارة، كما لا يحتاج إلى إيران منفلتة من القيود. إنه يحتاج إلى إيران قوية ولكن مسؤولة، مستقرة ولكن منفتحة، واثقة بتاريخها ولكن غير أسيرة له، وقادرة على تحويل مواردها وعقول أبنائها إلى تنمية وازدهار بدل تحويلها إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
العظمة الإيرانية الحقيقية لا ينبغي أن تُقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها، ولا باتساع دوائر نفوذها، ولا بقدرتها على الوصول إلى ساحات بعيدة. العظمة الحقيقية هي أن تستطيع إيران أن تجعل من تاريخها وحضارتها وثرواتها وعقول أبنائها مصدرًا لحياة أفضل لمواطنيها، وللاستقرار في محيطها.
وعندما تصبح القوة الإيرانية محكومة بالمؤسسات، ومربوطة بالاقتصاد، وخاضعة للمساءلة، ومراقبة من المجتمع، وموجهة نحو بناء الداخل قبل توسيع النفوذ في الخارج، فإن تغيير النظام لن يكون هو الحدث الأهم.
الحدث الأهم سيكون أن إيران نفسها تكون قد غيّرت الطريقة التي تصنع بها قوتها، وتقرر بها مصيرها، وتنظر بها إلى محيطها. عندها فقط يمكن القول إن صفحة جديدة قد بدأت.
فالمعضلة الإيرانية لا تُحل بإسقاط رأس السلطة وحده. إنما تُحل بإعادة بناء العلاقة بين القوة والدولة والمجتمع.
وحين تصبح هذه العلاقة أكثر توازناً، لن تعود المنطقة مضطرة إلى انتظار الضربة التالية حتى تعرف أن إيران قد تغيّرت. لأن التغيير الحقيقي لا يكون عندما يتغير من يجلس في قمة السلطة فقط. بل عندما تتغير الطريقة التي تُدار بها الدولة، وتُصنع بها القوة، ويُرسم بها مستقبل الأمة.