د.عيد بن حجيج الفايدي
هناك فرق واضح بين أن تُروى مدينة، وبين أن تُصنع لها سردية. فالرواية هي استحضار لحقيقة قائمة أو كانت قائمة، أما السردية فهي بناء تأويلي تصويري ينتقي ويُرتِّب ويُخرِج محتوى المادة في قالب اتصالي يخدم غرضًا حاضرًا؛ تسويقيًا، أو سياحيًا، أو تنمويًا. هذا التمييز ليس شكليًا، بل هو مدخل ضروري لأي قراءة تحليلية لقول قائل «السردية الثقافية للمدينة المنورة»، وكأنها إطار جامع يستوعب تاريخ المدينة بأكمله، بينما حقيقة الأمر أن تاريخ المدينة المنورة أقدم من أي سردية، وأعمق من أن يُحتوى أو يُختزل في مفهوم وُلد في سياق معرفي وزمني مختلف تمامًا.
فمفهوم السردية، بالمعنى المستخدم في المجال المعاصر الثقافي والتسويقي، ينتمي إلى حقل نظري حديث النشأة مع ظهور الحداثة وما بعد الحداثة. والسردية بهذا المعنى ليست وصفًا موضوعيًا للواقع، بل هي بناء منظَّم يهدف إلى التأثير في الإدراك، وصياغة صورة معينة لدى متلقٍ محدد، ضمن غاية تواصلية واضحة: أن تُقدَّم المدينة كوجهة، أو كمنتج ثقافي، أو كعلامة يُراد ترسيخها في الوعي العام. هذا لا يعني أن السردية أداة زائفة أو معيبة في ذاتها؛ فهي أداة حديثة في سياقها، لكنها تبقى وسيلة توصيل، لا مصدرًا للحقيقة التاريخية ولا بديلًا عنها.
في المقابل، فإن تاريخ المدينة المنورة ليس بناءً تأويليًا يُصاغ بفكرة أو نظرية حديثة أو رؤية تسويقية، بل هو تراكم فعلي من الوقائع والأحداث للسيرة والتاريخ التي جرت على أرض المدينة قبل أن يُخترع أو ينتشر مفهوم السردية بقرون طويلة. فالهجرة النبوية واقعة تاريخية وشرعية قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى سردية تُخرجها أو تُبرزها، وبناء المسجد النبوي حدث تأسيسي حقيقي، لا عنصرًا في حبكة مصمَّمة. وغزوة الخندق ومسجد قباء وجبل أحد، كل هذه معالم ذات دلالة ثابتة في التاريخ الإسلامي، مستقلة تمامًا عن أي جهد اتصالي معاصر. وحين يُقال إن المعالم لا تتحدث بلغة الحجر فقط بل بلغة الذاكرة، فهذه عبارة جميلة بلاغيًا، لكنها تحتاج إلى تدقيق: فالذاكرة هنا ليست نتاج سردية حديثة، بل هي امتداد لنص علمي وتاريخي ثابت مصدره، وسابق على أي مشروع تنموي أو ثقافي معاصر، ومصدر شرعيته من الوحي والسنة والسيرة، لا من أدوات التواصل الحديثة، فهو ليس بحاجة إلى عملية إسقاط وبرهنة.
وعندما يُسمَّى هذا الأسلوب «السردية الثقافية للمدينة المنورة»، فإنه يُخضع – ولو من غير قصد – مكانة المدينة الدينية والتاريخية الثابتة لمنطق السرديات المتغيِّرة بطبيعتها. فالسرديات، بحكم وظيفتها التواصلية، قابلة للتعديل والتكييف بحسب الهدف والغاية الزمنية، بينما مكانة المدينة المنورة في التاريخ الإسلامي ثابتة لا تخضع لهذا المنطق التسويقي المتحوِّل. وحين تُروى الهجرة النبوية بوصفها عنصرًا في سردية، فإن هذا يضعها ضمنيًا في نفس النوع المعرفي الذي تُوضَع فيه سرديات الترويج السياحي لأي مدينة أخرى في العالم، رغم أن الفارق بينهما فارق نوعي لا كمي؛ فهذه واقعة توقيفية ذات شرف المكان والزمان، لا مادة خام قابلة لإعادة الصياغة بحسب الحاجة.
ومن هنا، لا تُقدَّم السيرة النبوية بوصفها سردية تُنشأ من جديد. فالفرق بين الاستحضار والإنشاء فرق دقيق لكنه حاسم؛ فالاستحضار يفترض وجودًا سابقًا ثابتًا يُعاد تقديمه وتوصيله بأدوات العصر، بينما الإنشاء يفترض أن المعنى يتشكَّل عبر عملية الصياغة نفسها. والمدينة المنورة، بحكم مكانتها، تنتمي إلى النمط الأول لا الثاني؛ فمعناها موجود ومكتمل قبل أي جهد اتصالي حديث، وما يُضاف اليوم هو أدوات لتقريب هذا المعنى الثابت للأجيال الجديدة وللزائر المعاصر، لا صياغة معنى جديد له.
إن تقدير الجهود التنموية والعمرانية التي تشهدها المدينة المنورة اليوم لا يتناقض مع الدعوة إلى دقة أكبر في المصطلح المستخدم لوصفها. فالاحتفاء بالمشروع، مع تسميته سردية ثقافية، ينطوي على نوع من التصغير غير المقصود لمكانة المدينة. فالمدينة المنورة لا تحتاج إلى من يصنع لها سردية، لأنها ليست في حاجة إلى معنى يُبتكَر؛ هي، بحكم تاريخها الإسلامي والحضاري، مصدر للمعنى لا متلقيًا له. وما يُطلب من الخطاب المعاصر هو أن يكون أداة أمينة لنقل هذا المعنى الثابت، لا صياغة جديدة له تُلحقه – ولو من غير قصد - بمنطق السرديات المتغيِّرة وغير الثابتة. وفي الحديث النبوي: «وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».