صبحي شبانة
لم يعد قياس مكانة الدول في النظام الدولي مرهونًا بتبدل التحالفات أو تغير موازين القوى وحدهما، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على إعادة تعريف دورها الاستراتيجي والتكيف مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية واحدة من أبرز النماذج التي انتقلت، خلال أقل من عقد، من مرحلة إدارة الواقع الإقليمي إلى مرحلة المساهمة في إعادة تشكيله، مستندة إلى رؤية سياسية واقتصادية شاملة أعادت ترتيب الأولويات، ووسعت هامش الحركة، ورسخت مفهومًا جديدًا للدولة بوصفها فاعلًا استراتيجيًا لا يكتفي بالتفاعل مع الأحداث، بل يسعى إلى التأثير في مساراتها.
لقد مثّل تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد نقطة تحول مفصلية في مسار الدولة السعودية الحديثة، ولم يكن هذا التحول مجرد انتقال في الأجيال داخل هرم السلطة، بل كان انتقالًا في فلسفة الحكم وإدارة الدولة، فالمملكة شرعت في مراجعة شاملة للأدوات والسياسات، انطلاقًا من قناعة بأن العالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد هو العالم الذي يتشكل اليوم، وأن الدولة التي تريد الحفاظ على مكانتها لا بد أن تمتلك القدرة على التكيف مع نظام دولي يتجه نحو تعدد مراكز القوة، وتزايد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وتراجع اليقين في العلاقات الدولية، هذا الإدراك انعكس بصورة واضحة في رؤية المملكة 2030، التي لم تكن برنامجًا اقتصاديًا فحسب، وإنما مشروعًا لإعادة بناء الدولة بمفهومها الشامل، فقد أعادت الرؤية تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وجعلت التنمية جزءًا من معادلة الأمن الوطني، وربطت النفوذ الخارجي بقدرة الدولة على إنتاج القوة الاقتصادية والمعرفية، لا بالاعتماد على الموارد التقليدية وحدها، ومن هنا أصبح الاقتصاد أداة من أدوات السياسة الخارجية، وأصبحت الاستثمارات والمشروعات العملاقة والابتكار عناصر مؤثرة في المكانة الدولية للمملكة. ولعل أبرز ما يميز النهج السعودي الجديد أن السياسة الخارجية لم تعد تتحرك بمنطق ردود الأفعال، بل أصبحت تُدار وفق رؤية استباقية تستشرف المتغيرات، وتوازن بين إدارة الأزمات وصناعة الفرص، انطلاقًا من المصالح الوطنية طويلة المدى، فخلال العقود الماضية، كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش في كثير من الأحيان على وقع الأزمات المتلاحقة، بينما اتجهت المملكة في السنوات الأخيرة إلى البحث عن آليات لتقليل كلفة الصراعات، وإيجاد مساحات للحوار، وتهيئة بيئة إقليمية أكثر استقرارًا تسمح بتوجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من استنزافها في النزاعات، ولعل الاتفاق السعودي الإيراني، الذي رعته الصين عام 2023، مثّل أحد أوضح تجليات النهج السعودي الجديد في إدارة الملفات الإقليمية؛ نهج يقوم على توظيف الدبلوماسية لتخفيف بؤر التوتر، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا تخدم متطلبات التنمية والمصالح الوطنية، فبعيدًا عن القراءات التي حصرت الاتفاق في إطار المصالحة الثنائية، حملت الخطوة رسالة أوسع مفادها أن المملكة باتت تنظر إلى الأمن الإقليمي بمنظور أكثر شمولًا، يقوم على خفض التوترات وفتح قنوات الاتصال متى كان ذلك يقق المصالح الوطنية ويخدم استقرار المنطقة، ولم يكن الاتفاق تراجعًا عن الثوابت، بقدر ما كان تعبيرًا عن سياسة واقعية تدرك أن إدارة الخلافات قد تكون أكثر فاعلية من استمرارها دون أفق سياسي.
وينطلق الأمر ذاته على الانفتاح السعودي على سوريا، ودعم عودتها إلى محيطها العربي، وهي خطوة تعكس انتقالًا من سياسة تقوم على إدارة القطيعة إلى سياسة تستثمر في استعادة الدور العربي والعمل الجماعي، فالتجربة أثبتت أن استمرار الأزمات دون حلول لا يؤدي إلا إلى تعميق حالة عدم الاستقرار، بينما يمنح الحوار فرصة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتقوية النظام الإقليمي، وفي الوقت نفسه شهدت السياسة الخارجية السعودية تحولًا نوعيًا في طبيعة علاقاتها الدولية، فالمملكة حافظت على شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة، لكنها في المقابل وسعت دائرة تعاونها مع الصين والهند وروسيا والاقتصادات الآسيوية الصاعدة، في إطار سياسة تنويع الشراكات، لا استبدال الشركاء، ويعكس هذا النهج إدراكًا عميقًا للمتغيرات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد الأحادية القطبية الإطار الحاكم للعلاقات الدولية، بل أصبح تعدد مراكز القوة حقيقة تفرض على الدول المؤثرة تنويع خياراتها الاستراتيجية بما يحقق مصالحها الوطنية.
ولا يمكن قراءة هذا النهج الاستراتيجي بمعزل عن التغيرات العميقة التي أعادت تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية، إذ لم تعد القوة تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل أصبحت ترتكز أيضًا على الاقتصاد، والتكنولوجيا، والابتكار، والنفوذ المعرفي، ففي الماضي، كانت القوة العسكرية هي المؤشر الأبرز على المكانة الدولية، أما اليوم فقد أصبحت القدرة على جذب الاستثمارات، وإنتاج التكنولوجيا، وبناء المدن الذكية، وتطوير البنية الرقمية، واستقطاب الكفاءات العالمية، عناصر لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية، ومن هنا، جاءت المشروعات الوطنية الكبرى، مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، وغيرها، بوصفها استثمارات في المستقبل، ورسائل سياسية تعكس ثقة الدولة بقدرتها على المنافسة في الاقتصاد العالمي، كما أن حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها المملكة لم تكن مجرد إجراءات قانونية أو إدارية، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وترسيخ مبدأ أن التنمية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وبيئة استثمارية قائمة على الشفافية وسيادة القانون؛ فالدول التي تطمح إلى قيادة اقتصادية لا تستطيع تحقيق ذلك في ظل اقتصاد تهيمن عليه شبكات المصالح الضيقة أو غياب الحوكمة، ومن زاوية أخرى، أعادت المملكة تعريف مفهوم الأمن الوطني، فلم يعد الأمن يُختزل في حماية الحدود أو امتلاك أدوات الردع العسكري، بل أصبح يشمل الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، وأمن سلاسل الإمداد، وقد انعكس هذا الفهم في السياسات السعودية التي سعت إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصناعات الوطنية، والاستثمار في التقنيات المتقدمة، وبناء شراكات اقتصادية واسعة مع مختلف دول العالم.
ولعل ما يلفت الانتباه أن هذا التحول لم يكن قائمًا على القطيعة مع الماضي، وإنما على تطويره، فالمملكة لم تتخل عن ثوابتها العربية والإسلامية، ولم تتراجع عن التزاماتها تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لكنها أعادت صياغة أدواتها بما يتناسب مع واقع دولي أكثر تعقيدًا، أصبحت فيه القوة الناعمة، والدبلوماسية الاقتصادية، والوساطة السياسية، أدوات لا تقل أهمية عن أدوات الردع التقليدية، وقد تجلت هذه المقاربة في أدوار المملكة في استضافة القمم الدولية، والمساهمة في الوساطات السياسية، ودعم المبادرات الإنسانية، وتعزيز الحوار بين القوى المختلفة، وهو ما عزز صورتها بوصفها دولة تسعى إلى إنتاج الاستقرار، لا الاكتفاء بالتعامل مع تداعيات عدم الاستقرار، كما أن المملكة أدركت مبكرًا أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو القدرات العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على التأثير في الاقتصاد العالمي، والمساهمة في صياغة القواعد الجديدة للتجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، ومن هنا جاء الحضور السعودي المتنامي في مجموعة العشرين، وفي المبادرات المتعلقة بالتحول في الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، ليعكس طموحًا يتجاوز الإطار الإقليمي إلى دور عالمي أكثر اتساعًا.
وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية السعودية أقرب إلى مفهوم «الواقعية الاستراتيجية»، التي تقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى، وتجنب الاستقطابات الحادة، وتوسيع هامش الخيارات، والبحث عن المصالح المشتركة دون التفريط في الثوابت الوطنية، وهي مقاربة تختلف عن السياسات التي تربط علاقاتها الخارجية بالاعتبارات الأيديولوجية أو الانفعالات السياسية، إذ تجعل المصلحة الوطنية المعيار الأول في بناء التحالفات واتخاذ القرارات، ومن هنا فإن التحول الذي شهدته المملكة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تعديل في أدوات السياسة الخارجية، بل باعتباره إعادة تعريف لدور الدولة السعودية في بيئة إقليمية ودولية جديدة، فالرياض لم تعد تتحرك باعتبارها طرفًا يكتفي بالحفاظ على الأمر الواقع، بل أصبحت لاعبًا رئيسًا في إعادة صياغة معادلات الإقليم، من خلال طرح المبادرات، وبناء الشراكات، والإسهام في توجيه مسارات القضايا الإقليمية والدولية، لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تكتفي بإدارة الأزمات تظل رهينة لتطوراتها، أما الدول التي تستثمر في بناء القوة الاقتصادية، وتطوير الإنسان، وتعزيز المعرفة، وتنويع علاقاتها الدولية، فإنها تصبح أكثر قدرة على التأثير في المستقبل، وهذا هو المسار الذي اختارته المملكة العربية السعودية، وهو مسار لا يستند إلى ردود الفعل، بل إلى رؤية طويلة المدى تربط بين التنمية والنفوذ، وبين الاستقرار والازدهار، وبين الإصلاح الداخلي والحضور الخارجي.
ولعل أهم ما يميز هذه التجربة أنها نقلت مفهوم القيادة من إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل، فالعالم يشهد اليوم تحولات عميقة في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والجغرافيا السياسية، والدول التي ستحتل مواقع متقدمة في العقود المقبلة لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد الطبيعية، بل تلك التي تمتلك أفضل المؤسسات، وأكثر الاقتصادات تنوعًا، وأعلى مستويات الابتكار، وأوسع شبكة من الشراكات الدولية، وفي ضوء ما تقدم فإن المملكة العربية السعودية اليوم تبدو نموذجًا لدولة أعادت تعريف عناصر قوتها، فجعلت من التنمية أساسًا للسياسة، ومن الاقتصاد رافعةً للنفوذ، ومن الدبلوماسية جسرًا لترسيخ الاستقرار وبناء الثقة، ومن الإصلاح الداخلي قاعدةً لحضور دولي أكثر تأثيرًا، وإذا كانت المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازينها، فإن المملكة تبدو في موقع يؤهلها لأن تكون أحد أبرز مهندسي هذه المرحلة، ليس فقط بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، وإنما بما تبنته من رؤية تجعل المستقبل مشروعًا يُبنى، لا قدرًا يُنتظر.