أنس تشكالا
في كل صباح، نعد أنفسنا بأن نبدأ غدًا. غدًا سنقرأ ذلك الكتاب المؤجل، وغدًا سنزور قريبًا انشغلنا عنه طويلًا، وغدًا سنَعْتَنِي بِصحّتنا، وغدًا سنخصص وقتًا لأبنائنا، وغدًا سنحقق ما حلمنا به منذ سنوات. غير أن هذا الغد، في كثير من الأحيان، لا يأتي أبدًا. فهو يتراجع كل يوم خطوة إلى الخلف، حتى يتحول إلى موعد لا نبلغه، ووعد لا نفي به.
ولعل أخطر ما في التأجيل أنه لا يأتي في صورة عدو واضح، بل في صورة مبررات تبدو منطقية. نقول: «حين تنتهي هذه المرحلة»، أو «عندما تتحسن الظروف»، أو «بعد أن أحقق الاستقرار». وهكذا نمضي أعمارنا ننتظر اللحظة المناسبة، بينما الحياة تمضي من حولنا غير عابئة بخططنا المؤجلة.
إن الإنسان بطبيعته يحب الاطمئنان، ولذلك يبحث دائمًا عن بداية كاملة وظروف مثالية. لكنه ينسى أن الحياة لم تكن يومًا مكتملة، وأن كل جيل عاش تحدياته الخاصة. ولو انتظر العلماء اكتمال الظروف، لما أُلِّفت الكتب، ولو انتظر المصلحون زوال العقبات، لما تغيّر مجتمع، ولو انتظر الإنسان أن يزول الخوف تمامًا، لما خطا أول خطوة في أي طريق.
وليس التأجيل مقصورًا على المشاريع الكبيرة، بل يمتد إلى أبسط تفاصيل الحياة. نؤجل كلمة شكر لمن يستحقها، ونؤجل الاعتذار حتى تتسع الفجوة، ونؤجل زيارة الوالدين لانشغال عابر، ونؤجل لقاء صديق قديم حتى تنقطع الأخبار بيننا. ثم نفاجأ بأن بعض الفرص لا تعود، وأن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح مرة أخرى.
ومن أكثر ما نؤجله هو أنفسنا، نؤجل الراحة حتى ننتهي من العمل، ثم يزداد العمل، ونؤجل الاهتمام بالصحة حتى يظهر المرض، ونؤجل القراءة حتى نجد وقتًا، ثم نكتشف أن الوقت لا يُمنح، بل يُصنع، وكأننا نتعامل مع الحياة على أنها بروفة طويلة، بينما هي العرض الوحيد الذي لن يتكرر.
لقد أسهمت سرعة العصر في ترسيخ هذا الشعور. فنحن نعيش بين قوائم لا تنتهي من المهام، ورسائل متلاحقة، وإشعارات لا تعرف الصمت. وكلما أنجزنا عملًا، ظهر عمل آخر ينتظرنا. حتى أصبح بعض الناس يؤجلون الفرح نفسه، معتقدين أن السعادة محطة بعيدة ستأتي بعد اكتمال الإنجازات، لا رفيقًا للطريق.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تبدأ بعد الحصول على الوظيفة، ولا بعد شراء المنزل، ولا بعد تحقيق الشهرة. إنها تبدأ كل صباح، في التفاصيل الصغيرة التي كثيرًا ما نهملها؛ في حديث صادق مع من نحب، وفي كتاب يفتح نافذة جديدة للفكر، وفي لحظة تأمل نستعيد فيها أنفسنا بعيدًا عن الضجيج.
ولعل من أجمل الدروس التي تعلمنا إياها الأيام أن المستقبل ليس مضمونًا لأحد. فكم من إنسان رتّب حياته لسنوات قادمة، ولم يدرك أن بعض المواعيد لا تأتي، وأن بعض الأحلام تنتهي قبل أن تبدأ. وليس في هذا دعوة إلى التشاؤم، بل إلى أن نمنح الحاضر حقه، وألا نجعله مجرد جسر نعبره نحو زمن نتخيله أجمل.
ولا يعني هذا أن يعيش الإنسان بلا تخطيط، أو أن يهمل واجباته، فالتخطيط ضرورة، والعمل قيمة، والطموح فضيلة. لكن الفرق كبير بين من يخطط للمستقبل وهو يعيش حاضره، ومن يؤجل حياته كلها انتظارًا لمستقبل قد يأتي بصورة مختلفة عما رسمه.
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح نفسه. فالنجاح ليس أن نصل إلى نهاية الطريق بأسرع وقت، بل أن نحسن السير فيه. وليس أن نحقق كل الأهداف المؤجلة، بل أن نعيش أيامنا بوعي وامتنان، وأن ندرك أن قيمة العمر لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بما امتلأت به من معنى.
وربما كان أجمل ما يملكه الإنسان هو القدرة على أن يقول لنفسه: سأبدأ اليوم. لا لأن الظروف أصبحت مثالية، بل لأنها لن تكون كذلك أبدًا. فالكلمة الطيبة لا تحتاج إلى موعد، والاعتذار لا يحتاج إلى موسم، والقراءة لا تنتظر عطلة، وصلة الرحم لا ينبغي أن تُرحَّل إلى وقت الفراغ.
وفي النهاية، ليست الحياة ذلك المستقبل الذي نطارده، بل هذا اليوم الذي نعيشه. فالغد وعد، والأمس ذكرى، أما الحاضر فهو الفرصة الوحيدة التي نملكها حقًا. ومن يؤجل الحياة انتظارًا للحظة المثالية، قد يكتشف في النهاية أنه كان يستعد للعيش، بينما كان العمر يمضي بصمت.
ولعل السؤال الذي يجدر بنا أن نطرحه على أنفسنا كل مساء ليس: ماذا سأفعل غدًا؟ بل: ما الذي كان ينبغي أن أعيشه اليوم ولم أؤجله؟ فالحياة لا تنتظر من يؤجلها، وإنما تكافئ من يحسن أن يعيشها قبل أن تصبح مجرد ذكرى.