د. عبدالمحسن الرحيمي
تُقاس قيمة الاستقرار بما يتيحه من نمو واستثمار وتجارة وطاقة وحركة لرأس المال، كما تظهر كلفة غيابه في الآثار التي يتركها الصراع على الاقتصاد لسنوات بعد توقف القتال. وتقدر دراسة لصندوق النقد الدولي أن اندلاع الصراع يرتبط بانخفاض فوري في الناتج المحلي للفرد بنحو 15% في المتوسط، وأن مستوى الناتج للفرد يبقى بعد عشر سنوات أقل بنحو 28% من المسار الذي كان يمكن أن يسلكه قبل الصراع، بينما تنخفض الصادرات بنحو 58% والواردات بنحو 34%.
تضع هذه الأرقام الاستقرار في موقع يتجاوز كونه قيمة سياسية وأمنية؛ فهو أصل اقتصادي تعمل في بيئته الأسواق، ويتحرك ضمنه رأس المال، وتستمر فيه التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وتُبنى على أساسه القرارات الاستثمارية طويلة الأجل.
ومع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية تتغير تكلفة التمويل والتأمين والنقل، وتتأثر تقييمات الأصول وتدفقات الاستثمار، فتتحول المخاطر الأمنية إلى تكلفة اقتصادية قابلة للتراكم.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التجربة السعودية ضمن مسار تاريخي ممتد. فمن الدرعية ارتبط الاستقرار بالقدرة على بناء الدولة، ومع الملك عبدالعزيز اتسعت الدولة من تثبيت الداخل إلى بناء العلاقات الخارجية والمكانة الدولية، ثم تطورت مكانة المملكة مع تنامي وزنها الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي.
ومع هذا الاتساع أصبح استقرار البيئة المحيطة جزءًا من حماية المصالح الوطنية نفسها.
وتحتل المملكة موقعًا يربط الخليج بالبحر الأحمر، ويتصل بممرات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ولذلك تنتقل آثار الاضطرابات الإقليمية عبر الملاحة والطاقة والنقل والتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ومع ازدياد الترابط الاقتصادي، تصبح درجة الاستقرار في المحيط الإقليمي عاملًا مؤثرًا في قيمة الاستثمارات وقدرة الاقتصاد على التخطيط والعمل بأفق طويل.
ومن هنا تكتسب رؤية السعودية 2030 بعدًا يتجاوز التحول الاقتصادي الداخلي. فتوطين الصناعة، وتطوير الخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمار، وبناء القطاعات الجديدة، وتوسيع قاعدة الاقتصاد، كلها تحتاج إلى بيئة تسمح برأس المال طويل الأجل وتدعم استمرارية المشروعات.
ولذلك يمكن النظر إلى الاستقرار باعتباره جزءًا من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد؛ فهو لا يظهر كمشروع مستقل، لكنه يدخل في قدرة المشروعات على تحقيق قيمتها.
ويبرز في هذا السياق مفهوم علاوة المخاطر الجيوسياسية؛ وهي الكلفة التي يتحملها الاقتصاد عندما ترتفع احتمالات الاضطراب، وتظهر في تكلفة التأمين والشحن والتمويل، وفي تقييم الأصول وقرارات الشركات وتدفقات الاستثمار. وفي الجهة المقابلة يظهر مفهوم عائد الاستقرار؛ أي القيمة الاقتصادية المتراكمة عندما تنخفض المخاطر، وتتسع قدرة المستثمرين والشركات على التخطيط، ويصبح رأس المال أكثر استعدادًا للالتزام بمشروعات طويلة الأجل.
ومن هنا يتسع مفهوم الأمن الإقليمي. فالأمن لا يتعلق فقط بحماية الحدود أو منع الاعتداء، بل بحماية البيئة التي تسمح للاقتصاد والمجتمع والدولة بمواصلة البناء.
وعندما تصبح حماية هذه البيئة هدفًا مشتركًا بين الدول، يتحول الاستقرار من نتيجة سياسية إلى أصل تتشارك الأطراف في حمايته والاستفادة من عوائده.
وتتجسد هذه الرؤية في مبادرة الشرق الأوسط الأخضر التي أطلقتها المملكة عام 2021 إطارًا للتعاون الإقليمي في مواجهة التصحر وتدهور الأراضي وتغير المناخ، مستهدفة زراعة 50 مليار شجرة وإعادة تأهيل نحو 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. وفي يناير 2026 شاركت 31 دولة إقليمية في اجتماع المجلس الوزاري للمبادرة في جدة، مع انتقال المبادرة إلى مرحلة أكثر مؤسسية وتشغيلية وإنشاء أمانتها العامة في الرياض.
وتأخذ المبادرة دلالتها الأمنية من ارتباط البيئة بالاقتصاد والاستقرار.
فالمياه والغذاء والتصحر والحرارة وتدهور الأراضي تؤثر في التنمية وقدرة المجتمعات على الصمود، بينما يتيح التعاون الإقليمي معالجة بعض مصادر الهشاشة قبل انتقال آثارها إلى الاقتصاد والمجتمع والسياسة. وبهذا المعنى، يصبح الاستثمار البيئي جزءًا من الاستثمار في المرونة الإقليمية.
وتعمل الدبلوماسية وفق منطق قريب؛ فقيمة الوساطة والحوار لا تقاس فقط بالاتفاق الذي ينتج عنهما، وإنما بالخسائر التي يمكن تجنبها عندما يبقى الخلاف داخل المسار السياسي.
وكل تسوية تمنع التصعيد تحمي جزءًا من التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية ورأس المال البشري، وتمنح التنمية فرصة للاستمرار.
وفي المجال الدفاعي، وقعت المملكة وباكستان في 17 سبتمبر 2025 اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، في إطار يستهدف تعزيز الشراكة الدفاعية والأمن والاستقرار بين البلدين.
ثم جاءت في 7 أغسطس 2026 اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي تتضمن اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، بما يضيف مستوى جديدًا إلى شبكة الشراكات الدفاعية للمملكة.
وتكتسب هذه الاتفاقيات معناها الاستراتيجي ضمن منظومة أوسع لإدارة المخاطر. الردع جزء من صناعة الاستقرار عندما يرفع كلفة الاعتداء ويعزز قدرة الدول على حماية مصالحها ويوسع المساحة التي تستطيع الدبلوماسية أن تعمل فيها.
وفي الوقت نفسه، يظل الردع أحد مكونات الأمن، إلى جانب السياسة والاقتصاد والتنمية والمصالح المشتركة التي تمنح الاستقرار قابلية الاستمرار.
وعند جمع هذه المسارات، يظهر الأمن الإقليمي بوصفه نتاج تفاعل بين الردع والدبلوماسية والقدرة الاقتصادية والتنمية والمصالح المشتركة والقدرة على حمايتها.
فالملاحة الآمنة تحمي التجارة، واستقرار الطاقة يحمي الإنتاج والنقل، وانخفاض المخاطر السياسية يدعم الاستثمار، واستمرار التنمية يحافظ على رأس المال البشري والبنية التحتية.
ومن ثم يصبح الاستقرار أصلًا تتراكم قيمته مع الزمن. فالاستقرار طويل الأمد يسمح باستثمارات أطول، وشراكات أوسع، وبنية تحتية أكثر ترابطًا، وقدرة أعلى على التخطيط. أما الاضطراب فيستهلك رأس المال المادي والبشري، ويؤجل الاستثمار، ويضعف الثقة، وقد يترك فجوة اقتصادية تستمر حتى بعد انتهاء الصراع.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الدور السعودي في الإقليم بصورة أكثر دقة. فتراكم القوة الاقتصادية والدبلوماسية والدفاعية، إلى جانب المبادرات والشراكات التي تقودها المملكة، يمنحها قدرة متزايدة على خفض بعض المخاطر، ورفع كلفة الاضطراب، وتوسيع المصالح المشتركة التي تجعل الاستقرار أكثر قيمة للأطراف المختلفة.
وهنا تتضح فكرة صناعة الأمن؛ فهي لا تبدأ من القوة العسكرية وحدها، بل من اقتصاد قادر على الصمود، وسلاسل إمداد مرنة، وشراكات متعددة، وردع موثوق، وقنوات للحوار، وتنمية تقلل الهشاشة، ومصالح مشتركة تجعل التعاون أكثر إنتاجية من الصراع.
وعندما تتكامل هذه العناصر، تتحول القوة الوطنية من مجرد حماية للمصالح القائمة إلى قدرة على بناء الظروف التي تستمر فيها هذه المصالح وتنمو.
وفي هذا السياق تصبح الرياض نقطة التقاء لمسارات إقليمية ودولية تتجاوز الحدود الوطنية: الطاقة، والاستثمار، واللوجستيات، والدفاع، والبيئة، والتقنية، والدبلوماسية.
وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا التداخل في قدرته على بناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار أكثر إنتاجًا من الاضطراب، وتمنح التعاون الإقليمي قيمة عملية تتجاوز البيانات السياسية.
وهنا يستعيد معنى الدرعية مكانه في سياق المقال. فقد كان الاستقرار شرطًا لبناء الدولة، ومع الملك عبدالعزيز اتسعت الدولة إلى فضاء العلاقات الدولية، ومع رؤية السعودية 2030 اتسعت الدائرة نحو الإقليم.
ومع اتساع الوزن الاقتصادي والجغرافي والسياسي للمملكة، أصبح استقرار المحيط جزءًا من حماية القيمة التي بنتها الدولة في الداخل.
ولهذا فإن التحول الأهم يتمثل في الانتقال من إدارة المخاطر إلى التأثير في شروطها؛ من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى بناء القدرات التي تخفض احتمالها وكلفتها، ومن حماية المصالح الوطنية إلى توسيع دوائر المصالح التي تجعل الاستقرار الإقليمي منفعة مشتركة.
من الدرعية بدأ بناء الاستقرار من الداخل، ومع الملك عبدالعزيز اتسعت الدولة إلى فضاء العلاقات الدولية، ومع رؤية السعودية 2030 اتسعت الدائرة نحو الإقليم. وفي هذا المسار يصبح الأمن استثمارًا في البيئة التي تحمي النمو والتجارة والطاقة ورأس المال ومستقبل المنطقة.
فالقوة الوطنية تبلغ معناها الأعمق عندما تتحول من قدرة على مواجهة الاضطراب إلى قدرة على خفض احتماله وكلفته، ومن حماية الاستقرار إلى صناعة شروطه؛ وعندها يصبح السلام أصلًا إقليميًا منتجًا، ويصبح للاستقرار عائد يتجاوز حدود الدولة إلى المنطقة التي تتشارك معها المصالح والمخاطر.