د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ثمة اختبار لا يبدأ مع تولي المنصب، بل بعد مغادرته. يوم يهدأ الهاتف، وتتراجع الدعوات، ويختفي كثير من الازدحام الذي كان يحيط بصاحبه، ويعود الاسم مجردًا من الصفة الرسمية. هناك تحديدًا يمكن قراءة التجربة بصورة أكثر وضوحًا: ماذا بقي من الإنسان بعد أن غادر الكرسي؟
المنصب بطبيعته يصنع دائرة واسعة من العلاقات. مسؤوليات، اجتماعات، اتصالات، دعوات، مجاملات، حضور اجتماعي وإعلامي، وأشخاص تتقاطع مصالحهم مع صاحب القرار. وهذا أمر مفهوم في الحياة الإدارية، ولا يصح أن يُحمل كله على سوء الظن. غير أن اللافت أن بعض صور التقدير ترتفع مع صعود الإنسان إلى المنصب، ثم تنخفض سريعًا بمجرد مغادرته، وكأن القيمة كانت معلقة على المسمى الوظيفي لا على الإنسان نفسه.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده: عندما نحتفي بمسؤول، هل نكرّم تجربته وعطاءه، أم نكرّم سلطته وقدرته على التأثير؟
الفارق بين الأمرين كبير.
تكريم الإنسان يعني الاعتراف بعمله، وحفظ فضله، واستمرار تقديره بعد انتهاء مهمته. أما تكريم المنصب فيبلغ ذروته ما دام صاحبه قادرًا على التوقيع والتوجيه والتأثير، ثم يفقد كثيرًا من وهجه مع أول قرار ينقله إلى خارج دائرة النفوذ.
ولعل من أكثر اللحظات كشفًا لطبيعة العلاقات تلك التي تعقب مغادرة المسؤول موقعه. أسماء كانت حاضرة باستمرار تتوارى، واتصالات كانت شبه يومية تنقطع، ودعوات كانت تتزاحم تصبح نادرة. وقد يكتشف الإنسان متأخرًا أن بعض الذين أحاطوا به لم يكونوا قريبين منه بقدر قربهم من صلاحياته.
ومع ذلك، من الإنصاف ألا نفسر كل تغير بعد المنصب بالجحود أو النفاق. فجزء كبير من العلاقات الإدارية تفرضه طبيعة العمل، ومن الطبيعي أن تنتقل الاتصالات والاحتياجات إلى المسؤول الجديد. لكن الذي يستحق النقد هو أن يتحول احترامنا للأشخاص إلى مؤشر يتحرك صعودًا وهبوطًا بحسب مواقعهم؛ فنفرط في الاحتفاء بهم وهم في مواقع القوة، ثم نتعامل معهم بعد مغادرتها وكأن تاريخهم المهني انتهى بانتهاء قرار التكليف.
وهذه ليست قضية أفراد فحسب، بل قضية ثقافة.
فالمؤسسات الناضجة لا تبدأ ذاكرتها مع كل مسؤول جديد، ولا تمحو أسماء من سبقوه. بل تحفظ تاريخها، وتوثق إنجازاتها، وتستفيد من خبرات رجالاتها السابقين، وتمنح العطاء قيمته بعيدًا عن الحسابات الآنية. فالمسؤول السابق قد يفقد صلاحياته، لكنه لا يفقد خبرته، ولا تسقط سنوات عطائه بمجرد انتقال المسؤولية إلى غيره.
ولذلك يبدو التكريم بعد مغادرة المنصب أكثر صدقًا في كثير من الأحيان. أن تدعو شخصًا لم يعد يملك لك نفعًا، وأن تسأل عن مسؤول سابق لا تنتظر منه توقيعًا، وأن تذكر فضله في غيابه، وأن تستفيد من خبرته دون أن تكون له سلطة عليك؛ كل ذلك أقرب إلى الوفاء من عشرات عبارات الثناء التي تقال تحت وهج المنصب.
وفي الجهة الأخرى، تحمل هذه المسألة رسالة إلى كل صاحب مسؤولية: لا تجعل ضجيج المنصب مقياسًا لمكانتك.
فكثرة الداخلين إلى مكتبك لا تعني بالضرورة كثرة المحبين، وازدحام الهاتف لا يقيس مقدار حضورك في القلوب، وعبارات الثناء لا تصلح دائمًا معيارًا للحكم على التجربة. المنصب نفسه يملك جاذبية، وقد يصعب على صاحبه أن يعرف مقدار ما هو موجه إليه ومقدار ما هو موجه إلى موقعه.
أما المعيار الذي يصعب تزييفه فهو ما يبقى بعد الرحيل.
هل بقي مشروع يعمل؟ هل تحسنت المؤسسة؟ هل صنعت قيادات جديدة؟ هل أنصفت موظفًا؟ هل فتحت الطريق أمام كفاءة كانت تنتظر فرصة؟ هل حفظ الناس لك موقفًا كريمًا؟ وهل يذكرك من عملوا معك بالعدل وحسن الخلق، أم لا يتذكرون سوى الصلاحيات التي كنت تمارسها؟
هذه الأسئلة هي «التقييم الختامي» الذي لا تكتبه لجان الأداء.
والأثر ليس بالضرورة إنجازًا ضخمًا تتحدث عنه التقارير. قد يكون قرارًا عادلًا أعاد حقًا إلى صاحبه، أو موظفًا شجعته فنجح، أو شابًا وثقت بقدرته، أو إجراءً يسّرت به حياة الناس، أو بيئة عمل صنعت فيها قدرًا أكبر من الاحترام. وربما نسي صاحب المنصب تلك التفاصيل، بينما بقيت في ذاكرة من عاشوها أعوامًا.
وهنا تتجلى قيمة المنصب الحقيقية؛ فهو ليس امتيازًا دائمًا، وإنما فرصة مؤقتة لصناعة أثر دائم.
ومن يدرك هذه الحقيقة يتعامل مع المسؤولية بطريقة مختلفة. لا يستمد قيمته من اللقب، ولا يتعامل مع الناس من ارتفاع الكرسي، ولا يظن أن الصلاحيات ملك شخصي. يعرف أن المكتب سيستقبل غيره، وأن اسمه سيزال يومًا من الباب، وأن التوقيع الذي كان نافذًا سيحل محله توقيع آخر.
وتلك ليست صورة قاتمة، بل هي طبيعة الحياة الإدارية، بل والحياة كلها.
المشكلة ليست في زوال المنصب، وإنما في أن يزول المنصب فلا نجد وراءه شيئًا يستحق البقاء.
إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأثر في ثقافتنا الوظيفية؛ أن يكون السؤال عن المسؤول ليس: كم سنة بقي في موقعه؟ بل: ماذا أضاف إليه؟ وألا يكون نجاحه بمقدار ما حظي به من تكريم في أثناء وجوده، وإنما بمقدار ما بقي من عمله بعد رحيله.
وسيأتي يوم يغادر فيه كل صاحب منصب مكتبه، وتنتقل صلاحياته إلى غيره، وتتغير الأسماء على الأبواب. ولن يكون مهمًا آنذاك كم شخصًا وقف له، ولا كم درعًا تسلّم، ولا كم مرة تصدر المجالس والصور.
المهم هو السؤال الأبسط والأصعب: كيف أصبح المكان بعده؟
فإن غادر وبقي عمله، وحفظ الناس فضله، واستمر الخير الذي بدأه؛ فقد نال تكريمًا لا يحتاج إلى حفل.
فالمناصب تزول، والألقاب تتغير، والكراسي يتعاقب عليها أصحابها، أما الأثر الصادق فهو وحده الذي لا يغادر بانتهاء التكليف.