د. غالب محمد طه
أعادتني الدكتورة سجى عارف، بمقالها «التدريب الإعلامي جسر بين الجامعات وغرف الأخبار»، إلى سنواتي الأولى في الجامعة. كان الإعلام يومها عالمًا نقرأ عنه في الكتب والمحاضرات، ونلمسه أيضًا في الصحف اليومية والمجلات التي كنا نطالعها، وفي نشرات الأخبار والبرامج التي نتابعها على شاشات التلفزيون. كنا نتعرف إلى المهنة من بعيد، ونحاول أن نتخيل كيف تبدو المهنة من موقع الصحفي الذي نقرأ له أو نراه على الشاشة، حين نغادر قاعة الدرس. لذلك كنا ننتظر بشغف تلك اللحظة التي نخرج فيها من قاعة الدرس إلى الميدان.
استدعى مقالها إلى ذاكرتي مهمة تدريبية كُلّفنا بها في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا قبل سنوات طويلة. بدت لنا التجربة وقتها جزءًا من متطلبات الدراسة، وربما لم ندرك قيمتها كاملة ونحن نعيشها. بعض الدروس لا نعرف وزنها الحقيقي إلا بعد أن تمضي السنوات.
أذكر رهبة البدايات، والمواقف التي لم تكن تسير دائمًا كما توقعنا. كان علينا أن نتعامل مع الناس، ونلتقط تفاصيل الموقف، ونحن نعرف أن هناك عينًا أخرى تراقب ما نفعل. تعلمنا أن الكلام في الميدان مختلف عن الكلام في قاعة الدرس، وأن الموقف الإعلامي قد يضعك في لحظة أمام مسؤولية لم تكن تتوقعها.
وأذكر أن تجربتنا لم تقف عند حدود التدريب النظري. كانت من أوائل مهامنا في قسم العلاقات العامة مقابلة مسؤولين لإقناعهم بدعم أحد الأنشطة. دخلنا اللقاء الأول بتردد واضح، لكن بعد دقائق من الحديث بدأنا نستعيد رباطة جأشنا. خرجنا وقد حصلنا على التصديقات اللازمة.
ومن التفاصيل العالقة بذاكرتي أن بعض التدريبات كانت تبدأ بالرسم، كمدخل إلى أساسيات التصوير. كنا نتساءل عن العلاقة، لكن المشرفين أصروا. مع الوقت، أدركنا أن المطلوب هو تدريب العين على ملاحظة التفاصيل قبل التقاط الصورة. تعلمنا أن الصورة لا تبدأ بالكاميرا، بل في ذهن من يلتقطها. وهي فكرة امتدت بعد ذلك إلى العمل كله: كل قصة تبدأ بفكرة، ثم نبحث لها عن شكل وطريق إلى الناس.
وبمرور الوقت اكتشفنا شيئًا لم يكن في الكتب: تعلمنا الثبات.
ذلك الهدوء الذي يحتاجه الإعلامي حين تتغير المعطيات، ويضيق الوقت، ولا تأتي الإجابة التي كان ينتظرها. وربما كان هذا من أثمن ما تركته تلك التجربة فينا؛ فقد منحتنا قدرًا من الثقة لا تأتي من المعرفة وحدها، وإنما من مواجهة الموقف ومحاولة التعامل معه.
لهذا توقفت عند مقال الدكتورة سجى. فهي تتحدث عن التدريب باعتباره جسرًا يصل التعليم بالممارسة. وهذه الفكرة تستحق أن تمتد أبعد من فترة التدريب نفسها؛ لأن طالب الإعلام اليوم يحتاج إلى فرصة يرى فيها المهنة وهي تتحرك أمامه، ويتعرف من خلالها إلى ما يحتاجه العمل من مهارات وحضور ومسؤولية.
لقد تغير الإعلام كثيرًا منذ تلك السنوات. لم تعد الصحافة محصورة في الورق، ولم يعد الخبر ينتظر موعد النشر التالي. الهاتف أصبح كاميرا، والمنصة أصبحت غرفة نشر، والجمهور حاضر في كل لحظة، يعلق ويشارك ويعيد إنتاج القصة بطريقته.
ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، فاختصر بعض المهام، وفتح أبوابًا جديدة للإنتاج والتحليل والترجمة والتفريغ وصناعة المحتوى. ومن المرجح أن تتسع هذه المساحة أكثر في السنوات المقبلة.
الأدوات تتبدل، وتبقى المسؤولية في يد الصحفي.
وقد تساعد الأداة في الإعداد، لكنها لا تتحمل مسؤولية النشر. والخوارزمية قد تقترح عنوانًا جذابًا، لكن الصحفي هو من يحدد أين ينتهي الجذب ويبدأ التضليل. وقد تنتج التقنية صورة مقنعة، لكن يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل هذه الصورة حقيقية؟
فكيف يتهيأ الطالب لهذا المشهد المتغير؟
في قاعة الدرس يبدو الإعلام أحيانًا نظرية مرتبة. في الميدان تصبح الوجوه حقيقية، والوقت محدودًا، والمعلومة ناقصة، والقرار مسؤولية.
هناك يتعلم الطالب ما لا تمنحه المحاضرة وحدها. يتعلم أن المقابلة ليست قائمة أسئلة محفوظة، وأن الخبر يحتاج إلى أكثر من ترتيب المعلومات، وأن الصورة جزء من القصة وليست زينة للنص.
ويتعلم أيضًا أن المهنة لا تسير دائمًا وفق الخطة. قد يتأخر المصدر أو تتغير المعلومة أو يظهر تفصيل يقلب زاوية المعالجة. وفي تلك اللحظة يحتاج الإعلامي إلى هدوء يسمح له بأن يرى الموقف كما هو، لا كما كان يتمنى أن يكون.
لهذا أعتقد أن التدريب الإعلامي الجيد يترك أثرًا في شخصية الطالب بقدر ما يترك أثرًا في مهارته.
يعلمه أن الوقت ليس رقمًا في جدول، وأن الملاحظة المهنية فرصة للتعلم، وأن الخطأ يمكن أن يصبح درسًا إذا امتلك الشجاعة لمراجعته. والأهم أنه يعرّفه بنفسه حين يوضع للمرة الأولى أمام موقف مهني حقيقي.
وتزداد أهمية الشراكة بين الجامعة والمؤسسة الإعلامية كلما اتسعت الفجوة بين سرعة المهنة وإيقاع التعليم.
فالمؤسسة تمتلك خبرة لا يمكن للكتب أن تنقلها كاملة. تعرف إيقاع العمل وتفاصيله الصغيرة، وما الذي يحدث عندما يصل الخبر في اللحظة الأخيرة، وكيف يتعامل المحرر مع معلومة تحتاج إلى تحقق.
والجامعة تملك في المقابل مساحة أخرى: البحث والتحليل والتجريب، والقدرة على دراسة التحولات وفهم ما قد تفرضه على المهنة.
وحين تلتقي المساحتان، يستفيد الطرفان. يمكن للمؤسسة أن تدخل إلى الجامعة بخبرتها، ويمكن للجامعة أن تدخل إلى المؤسسة بأبحاثها وأفكارها وطاقاتها الشابة.
ولهذا فإن الاستديو الجامعي لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه مجموعة أجهزة حديثة فقط. قيمته الحقيقية فيما ينتجه.
قد يكون غرفة أخبار صغيرة يتعلم فيها الطالب دورة العمل كاملة، أو مختبرًا يجرب فيه أشكالًا جديدة من المحتوى، أو مساحة تلتقي فيها الخبرة المهنية بالبحث الأكاديمي.
والشراكة لا تكتمل من جانب واحد. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في نقص المقررات، وإنما في المسافة التي قد تتسع بين ما يتعلمه الطالب وما ينتظره منه الميدان.
فالطالب قد يخرج من الجامعة وهو يعرف تاريخ الوسيلة جيدًا، لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يعرف كيف تعمل الوسيلة حين تصبح أمامه شاشة ومنصة وجمهور يتغير في اللحظة نفسها.
عندها يأخذ التدريب معنى أوسع.
لا يكون مجرد فترة صيفية ينتظر الطالب نهايتها ليعود إلى حياته الجامعية، وإنما يصبح جزءًا من مسار متصل تتداخل فيه الدراسة مع التجربة، وتلتقي فيه المعرفة بالممارسة.
والطالب هو المستفيد الأول من هذا كله.
فحين يتخرج، لا يحمل شهادة في الإعلام فقط، بل يحمل شيئًا من الميدان في ذاكرته. يعرف كيف يتصرف حين يضيق الوقت، وكيف يستقبل النقد، وكيف يراجع نفسه. وهذه الخبرة ستزداد أهميتها في السنوات المقبلة؛ لأن الإعلام الذي سيدخل إليه خريج اليوم لن يكون هو الإعلام الذي نعرفه الآن. ستتغير الأدوات والوظائف والمنصات، وربما تختفي مسميات وتظهر أخرى. وما سيبقى معه هو قدرته على التعلم، وحسه المهني، ومسؤوليته تجاه ما يصنعه وينشره.
ربما لهذا السبب بقيت تلك التجربة في الذاكرة كل هذه السنوات. وربما لهذا أيضًا أعاد مقال الدكتورة سجى فتح بابها من جديد.
فطالب الإعلام يحتاج إلى أن يرى الميدان قبل أن يصبح جزءًا منه، وأن يختبر الموقف قبل أن يصبح الموقف مسؤوليته.
وهذا، في نظري، هو جوهر ذلك الجسر الذي تحدثت عنه الدكتورة سجى. أن يقترب الطالب من المهنة قبل أن يصبح مسؤولًا عن قراراتها، وأن يدخل إلى الميدان وفي ذاكرته شيء من التجربة، لا أن يبدأ كل شيء من الصفر يومَ تخرجه.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، لا أجدني أصف نفسي بأنني إعلامي تعلم مهنته، بل أقول إنني ابن تلك التجارب المختلفة. كل لقاء، وكل موقف، وكل رسمة رسمناها ترك شيئًا فيّ. ولو سألني طالب اليوم عن أهم أداة سيحملها، فسأقول: ليست الكاميرا ولا البرنامج، بل إنسانيته؛ القدرة على رؤية الإنسان في قلب كل قصة، واستذكار أن هذه الحقيقة هي ما ينبغي ألا يضيع وسط أدوات المهنة وتسارعها.
عندما أعود بذاكرتي إلى تلك المهمة التدريبية في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، أبتسم لفكرة أننا كنا نظن أننا نتعلم ممارسة الإعلام فحسب.
بعد كل هذه السنوات، يبدو لي أننا كنا نتعلم شيئًا أعمق.
كنا نتعلم كيف نقف أمام الموقف.
كيف نحافظ على هدوئنا حين يتغير كل شيء.
وكيف ندرك أن الكلمة، قبل أن تكون مادة للنشر، مسؤولية.
وربما كان هذا هو الدرس الذي لم نعرف قيمته يومها: أن الجامعة لا تصنع إعلاميًا بما تعلّمه له فقط، وإنما بما تتيح له أن يعيشه.