باسم سلامة القليطي
في منطقتنا، لا تمنحك الأحداث دائماً فرصة لالتقاط أنفاسك؛ فما إن يهدأ مشهد حتى يبدأ آخر، وما إن تتضح زاوية حتى تظهر زوايا جديدة أكثر تعقيداً. تتبدل المواقف، وتتحرك المصالح، وتتقاطع الحسابات، وخلف الصورة التي تصل إلينا مساحات واسعة من التفاصيل التي لا نراها ولا نعرفها.
وفي مثل هذا الظرف، أميل إلى الهدوء، وأبتعد عن محاولة تفسير كل ما يحدث؛ لأن ما يصل إلينا ليس إلا جزءاً من المشهد، وخلف القرارات التي نراها معلومات وتقديرات واعتبارات لا يمكن أن نحيط بها جميعاً.
لذلك فإن التوكل على الله تعالى، ثم الثقة بقيادتنا السياسية الحكيمة، ومؤسسات دولتنا الراسخة، وأجهزتنا الأمنية والعسكرية التي تعمل بعين ترصد، وعقل يقدّر، وقرار يعرف متى يتحرك ومتى ينتظر، لا يعني التخلي عن الوعي أو العقل؛ فإدارة الوطن ليست تعاملاً مع اللحظة وحدها، بل قراءة لما وراءها، واستعداداً لما بعدها.
والمنطقة من حولنا لا تمنح أحداً رفاهية البساطة.
ما يأتي من الشرق، وما يتحرك في الجنوب، وما يتشكل في الشمال، وما ينعكس من الغرب، ليست أحداثاً منفصلة يمكن قراءة كل منها بمعزل عن الأخرى؛ إنها شبكة من المصالح والتحالفات والحسابات المتغيرة، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالعلاقات الدولية، والمعلن بغير المعلن.
وفي مثل هذا المشهد، قد تبدو للمراقب صورة ناقصة فيبني عليها استنتاجاً كاملاً، وقد يسمع خبراً واحداً فيظنه بداية القصة ونهايتها.
بينما صانع القرار ينظر إلى ملفات متعددة في وقت واحد، ويقارن بين احتمالاتها، ويحسب نتائج الخطوة قبل اتخاذها، ويدرك أن بعض المعارك لا تُكسب بسرعة، وإنما تُدار بالنَّفَس الطويل.
وهذه إحدى أهم الفوارق بين من يتابع الحدث ومن يدير الحدث.
ومن هنا أفهم جانباً من الطريقة التي يدير بها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هذه المرحلة؛ فالقوة السياسية لا تحتاج دائماً إلى صوت مرتفع، والحزم لا يعني الاندفاع، وكثير من القرارات المهمة تُتخذ بهدوء، ثم تتحدث نتائجها عنها.
هناك دبلوماسية تتحرك بهدوء، واقتصاد يُبنى ليمنح القرار السياسي مساحة أوسع، وقوة عسكرية تعرف مهمتها، ومؤسسات أمنية تعمل بعيداً عن الأضواء، وقرارات لا نعرف تفاصيلها إلا بعد أن تظهر نتائجها.
وهذه، في نظري، إحدى علامات القيادة الناضجة: ألا تجعل كل خطوة مشهداً إعلامياً، وألا تحوّل كل موقف إلى خطاب، وأن تترك للنتائج مهمة شرح كثير مما لم يُقل.
فالدولة القوية ليست تلك التي تكشف كل أوراقها، وإنما التي تعرف أي ورقة تُظهر، وأي ورقة تحتفظ بها، ومتى تتحرك، ومتى يكون الانتظار نفسه جزءاً من القرار.
ولهذا، فإن مسؤوليتنا كمواطنين في مثل هذه الظروف تبدأ من معرفة ما نتابعه، وما نتركه لأهله؛ فلا نحن مطالبون بأن نكون جميعاً محللين سياسيين، ولا بأن نلاحق كل خبر، ونفكك كل تصريح، ونبني على كل مقطع قصير رواية كاملة.
فالمعلومة في زمن الأزمات مسؤولية، والشائعة لا تصبح رأياً لمجرد تداولها، والتحليل الشخصي لا يتحول إلى حقيقة لمجرد أنه صيغ بلغة واثقة.
قد نختلف في قراءة حدث، وهذا طبيعي، لكن هناك فرقاً بين الاختلاف الواعي وبين صناعة القلق من معلومات ناقصة.
وأحياناً يكون أكثر المواقف وعياً أن تقول: لا أعرف.
وقد يكون من الحكمة أن تبقى بعض الأسئلة بلا إجابة حتى تتضح الصورة، وأن تظل المعلومة لدى أهلها، والقرار لدى أصحابه.
فليس من الضروري أن نرى خلف الستار؛ يكفي أن ندرك أن وراء المشهد تفاصيل لا تظهر لنا كلها.
وعندما نتحدث عن الأمن، لا ينبغي أن نختصره في صورة جندي يقف على الحدود، رغم أن تلك الصورة وحدها تختصر قدراً عظيماً من التضحية.
هناك رجال يرابطون في مواقع لا نراها، وأجهزة تعمل في الداخل، ومؤسسات مدنية وأمنية وعسكرية تتكامل في مواجهة احتمالات كثيرة، وكل ذلك من أجل شيء يبدو لنا بسيطاً لأنه أصبح جزءاً من حياتنا: أن نعيش يومنا بأمان.
نحن نذهب إلى أعمالنا، ويذهب أبناؤنا إلى مدارسهم، ونجلس مع أسرنا، ونمارس حياتنا الطبيعية؛ بينما هناك من يعمل على أن تبقى هذه الحياة ممكنة.
ولهذا، فإن الوعي في الأزمات يمكن أن يكون جزءاً من الاستقرار، لا مصدراً لمزيد من القلق.
فالجندي الذي يحرس الحدود، ورجل الأمن الذي يؤدي واجبه، والمسؤول الذي يدير ملفاً حساساً بعيداً عن أعين الناس، جميعهم يقفون في خندق واحد، وإن اختلفت مواقعهم ومهامهم.
وفي هذا الظرف الدقيق، ربما يكون الأهم أن نعرف موقعنا من الصورة.
نحن أبناء وطن نراقب ونفهم ونسأل ونحلل، لكننا لسنا داخل غرف القرار، ولا نملك كل المعلومات التي تُبنى عليها المواقف.
ولذلك فإن الثقة ليست إلغاءً للعقل، بل قد تكون في بعض الظروف أعلى درجات الوعي؛ لأن العاقل يعرف متى يحلل، ومتى يتريث، ومتى يدرك أن هناك من يرى أبعد منه.
وفي زمن تتبدل فيه المواقف والتحالفات بسرعة، يبقى أجمل ما يمكن أن يشعر به المواطن أن وطنه لا يتحرك بردة فعل، ولا تنقله العواصف من موقف إلى آخر؛ بل تقوده دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحمي مصالحها، وتمضي بثبات، فيما يبقى أبناؤها مطمئنين إلى أن خلف هدوئهم قيادة تحمل عنهم كثيراً مما لا يرونه.